![]() |
على رصيف بحري
على رصيفٍ بحريّ، في تلك اللحظة المعلّقة بين شروقٍ لم يكتمل وغروبٍ لم يعتذر، حيث يتصالح الأزرق مع أوانه، وحيث تفقد الأبهة معناها أمام عبور الضوء، قرّرت مدن العالم — لا الناس — أن تلتقي. فالمدن، مثل البشر، تملّ من الصمت حين يطول، وتحتاج أحيانًا إلى مقهى كي تعترف بما أخفته عنها الجغرافيا. كان المقهى صغيرًا بما يكفي ليحتمل أسرارًا كبيرة. دخلت امرأةٌ — أو لعلها فكرة عن امرأة — بنظارة وكتاب، لا لأنها بحاجة إليهما، بل لأن الذاكرة تحبّ الإكسسوارات. ثوبها أخضر مزرّق، كأنه استعارة مترددة، وأطرافه البيضاء تحاول أن تبدو بريئة. حذاؤها الأزرق نقر الرصيف لا كخطوة، بل كإشارة: أنا هنا، رغم كل شيء. جلست بجلسة أرستقراطية لا تخلو من سخرية، قاطعت ساقيها كما تُقاطع جملة طويلة، نزعت نظارتها كما لو أنها تخلّت عن وهم الرؤية، وفتحت الكتاب. وهنا حدث ما لا يحدث عادةً إلا في الأدب: لم تخرج الكلمات لتُقرأ، بل لتجلس. تناثرت الكلمات على الكراسي والمناضد، كلٌّ بملبسه، كما البشر حين يعتقدون أن المظهر يسبق المعنى. كلمة بلباسٍ زاهٍ لا تعرف لماذا هي سعيدة، وأخرى مثقلة بالمفردات كشيخٍ يحمل تاريخًا لا يريده. كونتٌ لغويّ بشعرٍ مستعار، يتكئ على عكاز البلاغة، وحكاية راقية بحذاءٍ ملمّع تخجل من ماضيها، وأخرى بحذاءٍ مغبّر لا ترى سببًا للاعتذار. وشاحٌ ممزّق، حمرة صارخة، عيونٌ مفتوحة بلا بصيرة، وأخرى ضريرة ترى أكثر مما ينبغي. الجميع جلس. الجميع اتكأ. ليس لأن الكراسي مريحة، بل لأن التعب فكرة مشتركة. وهنا — كما كان سيلاحظ كاتبٌ يحب المفارقات — لم تكن هناك حكاية واحدة، بل فائض من الروايات. والمشكلة، كما هو الحال دائمًا، ليست في أن لكلٍّ حكايته، بل في أن الجميع يظنّ أن حكايته تستحق أن تكون الأخيرة. |
القدس…
امرأة لا ترفع صوتها، لأن الجدران تكفي. تجلس على حافة الضوء، تربط حجابها بالحجر، وتترك للريح مهمة الشهادة. لا تمشي، الطرقات هي التي تمشي فيها، والزمن يتبعها خجلًا. القدس لا تحكي حكايتها كاملة، تخاف على الكلام من الانكسار. تمنحك نصف الجملة وتترك لك وجع الاكتمال. في عينيها صلاة لم تُرفَع بعد، وفي كفّيها مفاتيح لا تفتح أبوابًا بل ذاكرة. تقول بهدوء ... أنا لست رمزًا، الرموز تُعلّق، وأنا أُحمل. أنا مدينة تتوضأ بالدمع ولا تشتكي، تعرف أن الشكوى تستهلك القلب قبل أن تصل. البيوت عندها ليست حجارة، هي صدور مفتوحة تحفظ أسماء ساكنيها حتى بعد الغياب. والشرفات ليست للهواء، بل للانتظار. القدس لا تغضب، الغضب رفاهية. هي فقط تنظر طويلًا، نظرة امرأة تعرف أن البقاء فعل حبٍّ صامت. وحين تسألها: إلى متى؟ تبتسم ابتسامة خفيفة وتجيب: إلى أن يتعلّم العالم أن بعض المدن لا تُهزم… بل تُؤذى وتبقى. |
بيروت…
امرأة من نارٍ وملح، تضحك كي لا تنهار. تمشي على البحر كما لو كان أخاها القديم، تعاتبه وتحبّه في الجملة نفسها. تضع زينتها فوق الشقوق وتهمس، على طريقة جبران: «في الألم سرّ الخلق، وفي الكسر يولد الضوء». بيروت لا تصمد، بل تُحبّ الحياة وكأنها وصيّتها الأخيرة. تفتح نافذتها للريح وتقول: خذ ما شئت… اترك لي القلب. |
دمشق…
امرأة عتيقة تغسل وجهها بالياسمين وتخفي التعب تحت العباءة. تمشي ببطء لأن الزمن عندها يجلس ليستريح. بيوتها صدور مفتوحة، وحاراتها أدعية لم ترفع صوتها. تقول: ما انكسر فيها لم يمت، بل تعلّم كيف يبقى. دمشق لا تشكو، الشكوى تجرح الوقار. هي فقط تقف، وتترك للعالم عبء الفهم |
الخرطوم…
امرأة تقف عند التقاء نهرين ولا تملك ترف الحياد. تغسل وجهها بالماء الثقيل، وتنظر إلى نفسها بصدقٍ جارح. تعرف — كما يُعرَف في التجربة القاسية — أن الظلم لا يأتي وحده، وأن الصمت شريك ولو لبس ثوب النجاة. بيوتها صدور مفتوحة تعلّمت استقبال الألم دون أن تبرّره. وفي الشوارع أسئلة تمشي بلا أجوبة، لكنها تمشي. الخرطوم لا تتزيّن، الحقيقة لا تحتاج زينة. هي فقط تقول: نحن هنا، ووجودنا ليس تفصيلًا. |
السعودية…
امرأة تعرف متى تصمت ومتى تقول كفاية. تمشي بخطوةٍ محسوبة، تعرف أن الهيبة ليست في الصوت العالي بل في الوقوف الطويل. صحراؤها ليست فراغًا، هي مساحة للتفكير قبل القرار. بيوتها لا تُكثر الكلام، لكنها تحفظ الوعد. وفي نبرتها حكمةٌ ساخرة تقول: ليس كل تغيّر صخبًا، بعضه يحدث لأن الوقت نضج. السعودية لا تشرح نفسها، التاريخ يفعل ذلك. |
البوسنة…
امرأة خرجت من النار وما زالت رائحة الرماد عالقة في صوتها. تمشي بهدوء كمن تعلّم أن الضجيج لا ينقذ أحدًا. تعرف أن الوجع ليس ذكرى، بل شيءٌ يتقن الجلوس في القلب. بيوتها لم تُرمَّم بالكامل، بعض الشقوق تُترك كي لا يُنسى السبب. وفي عينيها سؤال واحد لا يشيخ. البوسنة لا تكره، الكراهية تعب. هي فقط تتذكّر، والتذكّر شكل آخر من العدالة. |
حضرموت…
امرأة من سفرٍ وصبر. تجلس على الرمل وتعرف أن البحر ليس وعدًا بل امتحان. أبناؤها رحلوا وحملوها في جيوبهم، فعادت أكبر من حدودها. بيوتها تنتظر ولا تشتكي، والأبواب مفتوحة لمن يعرف الطريق. في صمتها حكمة من عاش طويلًا دون أن يطلب تفسيرًا. حضرموت لا تلوّح للغائبين، هي تعرف… من خرج منها لم يخرج حقًا. |
| الساعة الآن 03:54 PM. |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010