ومن الأعمال التي يعملها في العشر الأواخر :الاعتكاف ..
و المراد بالاعتكاف : لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله عز وجل ، وهو من السُنن الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،
قال الله تعالى ( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ )
وعن عائشة رضي الله عنها (( أن النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ، ثم اعتكف أزواجه من بعده )) [ متفق عليه ].
إن في العبادات من الأسرار والحكم الشيء الكثير ، ذلك أن المدار في الأعمال على القلب ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ) .
وأكثر ما يفسد القلب الملهيات ، والشواغل التي تصرفه عن الإقبال على الله عز وجل من شهوات المطاعم ، والمشارب ، والمناكح ، وفضول الكلام ، وفضول النوم ، وفضول الصحبة ، وغير ذلك من الصوارف التي تفرق أمر القلب ، وتفسد جمعيته على طاعة الله ، فشرع الله تعالى قربات تحمي القلب من غائلة تلك الصوارف ، كالصيام مثلاً ، الصيام الذي يمنع الإنسان من جميع الملذات في النهار ، فينعكس ذلك الامتناع عن فضول هذه الملذات على القلب ، فيقوى في سيره إلى الله ، وينعتق من أغلالها التي تصرفه عن الآخرة إلى الدنيا .
وكما أن الصيام درع للقلب يقيه مغبة الصوارف الشهوانية ، من فضول الطعام والشراب و 00، كذلكالاعتكاف ، ينطوي على سر عظيم ، وهو حماية العبد من آثار فضول الصحبة ، فإن الصحبة قد تزيد على حد الاعتدال ، فيصير شأنها شأن التخمة بالمطعومات لدى الإنسان ، كما قال الشاعر :
عدوك من صديقك مستفاد
فلا تستكثرن من الصّحاب
فإن الـــداء أكثر ما تـــراه
يكون من الطعام أو الشراب
وفي الاعتكاف أيضاً حماية القلب من جرائر فضول الكلام ، لأن المرء غالباً يعتكف وحده ، فيُقبل على الله تعالى بالقيام وقراءة القرآن والذكر والدعاء ونحو ذلك .
وفيه كذلك حماية من كثرة النوم ، فإن العبد إنما اعتكف في المسجد ليتفرغ للتقرب إلى الله ، بأنواع من العبادات ، ولم يلزم المسجد لينام .
ولا ريب أن نجاح العبد في التخلص من فضول الصحبة ، والكلام والنوم يسهم في دفع القلب نحو الإقبال على الله تعالى وحمايته من ضد ذلك .
لا ريب أن اجتماع أسباب تربية القلب بالإعراض عن الصوارف عن الطاعة ، أدْعى للإقبال على الله تعالى والتوجه إليه بانقطاع وإخبات ، ولذلك استحب السلف الجمع بين الصيام والاعتكاف ، حتى قال الإمام ابن القيم رحمه الله ( ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطراً قط ، بل قالت عائشة : ( لا اعتكاف إلا بصوم ) ..
ولم يذكر الله سبحانه وتعالى الاعتكاف إلا مع الصوم ، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم .
فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف ( أن الصوم شرط في الاعتكاف ، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية .
واشتراط الصوم فيالاعتكاف نقل عن ابن عمر وابن عباس ، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة ، واختلف النقل في ذلك عن أحمد والشافعي .
وأما قول الإمام ابن القيم رحمه الله ( ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطراً قط ) ففيه بعض النظر ، فقد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ، اعتكف في شوال ) .
ولم يثبت أنه كان صائماً في هذه الأيام التي اعتكافها ، ولا أنه كان مفطراً .
فالأصح أن الصوم مستحب للمعتكف ، وليس شرطاً لصحته .
مع النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه : اعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأول من رمضان ثم العشر الأواسط ، يلتمس ليلة القدر ، ثم تبيّن له أنها في العشر الأواخر فداوم على اعتكافها .
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجاور في العشر التي وسط الشهر ، فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة ، ويستقبل إحدى وعشرين ، يرجع إلى مسكنه ، ورجع من كان يجاور معه ، ثم إنه أقام في شهر ، جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها ، فخطب الناس ، فأمرهم بما شاء الله ، ثم قال( إني كنت أجاور هذه العشر ، ثم بدالي أن أجاور هذه العشر الأواخر ، فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه ، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر ، في كل وتر ، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين ) .
قال أبو سعيد : مطرنا ليلة إحدى وعشرين ، فوكف المسجد في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظرت إليه ، وقد انصرف من صلاة الصبح ، ووجهه مبتل ماء وطيناً فتحقق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وهذا من علامات نبوته .
ثم حافظ صلى الله عليه وسلم ، على الاعتكاف في العشر الأواخر ، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده .

وهديه صلى الله عليه وسلم فيالاعتكاف كان أكمل هدي ، وأيسره ، فكان إذا أراد أن يعتكف وُضع له سريره وفراشه في مسجده صلى الله عليه وسلم ، وبالتحديد وراء أسطوانة التوبة كما جاء في الحديث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه كان إذا اعتكف طرح له فراشه ، أو يوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة ) .
وأما حديث ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار 4/20 فهو على القول بصحته مؤول بمعنى أنّ أكمل ما يكون الاعتكاف في هذه المساجد كما قال أهل العلم .
وقد يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) : أي لا اعتكاف يُنذر ويسافر إليه . والاعتكاف يصح في كل مسجد ، وقد أجمع الأئمة - خاصة الأئمة الأربعة - على صحة الاعتكاف في كل مسجد جامع . ولم يقل بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين ، لا الأربعة ولا العشرة ولا غيرهم ، وإنما نقل هذا عن حذيفة - رضي الله عنه - وواحد أو اثنين من السلف .
وإذا نذر المرء أن يعتكف في المسجد الحرام وجب عليه الوفاء بنذره ، فيعتكف في المسجد الحرام . ولكن لو نذر مثلا أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي أو في المسجد الحرام ؛ لأن المسجد الحرام أفضل .
ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى ، جاز له أن يعتكف في المسجد الأقصى أو المسجد الحرام أو المسجد النبوي ، لأنهما أفضل من المسجد الأقصى .
النية : لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) .
المكث في المسجد : كما في قوله تعالى : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود ) سورة البقرة /125 وفي هذا تأكيد على أن مكانالاعتكاف هو المسجد ، ودلّ على ذلك أيضاً فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده أزواجه وصحابته رضوان الله عليهم ، ففي الحديث عن يونس بن زيد أن نافعاً حدثه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، قال نافع : وقد أراني عبد الله رضي الله عنه المكان الذي يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد .
مكانالاعتكاف المسجد كما دلت عليه الآية في قوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) البقرة /187 .
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه وصحابته رضوان الله عليهم اعتكفوا في المساجد ، ولم يرد عن أحد منهم أنه اعتكف في غير المسجد .
وأما بالنسبة لزمانه فإذا كان في رمضان فآكد وقته العشر الأواخر منه ، ويجوز في أي وقت في رمضان وغيره ، فهو لا يختص بزمن معيّن ، بل مستحب في جميع الأوقات ، ويجب إذا ألزم نفسه بنذر ، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت نذرت في الجاهلية ان اعتكف ليلة في المسجد الحرام . قال
( أوف بنذرك ) .
وأما بالنسبة لبداية وقته فقبل غروب الشمس لمن أراد أن يعتكف يوماً وليلة أو اكثر وقال بعض العلماء يدخل معتكفه فجرا .
للاعتكاف آداب يستحب للمعتكف أن يأخذ بها حتى يكون اعتكافه مقبولاً وكلما حافظ عليها المعتكف كان له الأجر الجزيل من رب العالمين وكلما أخل بهذه الآداب نقص أجره .
ومن آداب الاعتكاف ما ذكره ابن قدامة في المعنى :
يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة وتلاوة القرآن وبذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة ويجتنب مالا يعينه من الأقوال والفعال ولا يُكثر الكلام لأن من كثر كلامه كثر سقطه وفي الحديث ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش فإن ذلك مكروه في غيرالاعتكاف ففيه أولى ولا يبطل الاعتكاف بشي من ذلك ولا بأس بالكلام لحاجة ومحادثة غيره
وروى عبد الرزاق عن علي قال : من اعتكف فلا يرفث في الحديث ولا يساب ويشهد الجمعة والجنازة وليوص أهله إذا كانت له حاجة ، وهو قائم ولا يجلس عندهم .
وأما إقراء القرآن وتدريس العلم ودرسه ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث فقد اُختلف فيه . فعند الإمام أحمد أنه لا يستحب ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به .
أ- الخروج من المسجد : يبطلالاعتكاف إذا خرج المعتكف من المسجد لغير حاجة ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان ، وهي حاجته إلى الطعام ، إن لم يكن بالإمكان أن يؤتى إليه بالطعام ، كما كان يؤتى بطعام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد إذ يقول ( سالم ) : " فأما طعامه وشرابه فكان يؤتى به إليه في معتكفه ) .
وكذلك خروجه للتطهر من الحدث الأصغر ، والوضوء لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت ( وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل عليَّ رأسه وهو في المسجد فأرجّله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً ) .
ب- مباشرة النساء : فهذا الأمر يبطل الاعتكاف ، لورود النهي عنه صريحاً في قوله تعالى ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) سورة البقرة /187 .
ج- الحيض والنفاس : فإذا حاضت المرأة المعتكفة أو نفست وجب عليها الخروج من المسجد ، وذلك للمحافظة على طهارة المسجد .
د- قضاء العدة : وذلك إذا توفي زوج المعتكفة وهي في المسجد وجب عليها الخروج لقضاء العدة في منزلها .
هـ- الردّة عن الإسلام : حيث إن من شروط الاعتكاف الإسلام ، فيبطل اعتكاف المرتد .
(1) تطبيق مفهوم العبادة بصورتها الكلية :
يؤصلالاعتكاف في نفس المعتكف مفهوم العبودية الحقة لله عز وجل ، ويدربه على هذا الأمر العظيم الذي من أجله خلق الإنسان ، إذ يقول الحق تبارك وتعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات/56 . حيث إن المعتكف قد وهب نفسه كلها ووقته كله متعبداً لله عز وجل .
ويكون شغله الشاغل هو مرضاة الله عز وجل ، فهو يشغل بدنه وحواسه ووقته - من أجل هذا الأمر - بالصلاة من فرض ونفل وبالدعاء ، وبالذكر ، وبقراءة القرآن الكريم ، وغير ذلك من أنواع الطاعات .
وبهذه الدُّرْبة في مثل أيام العشر الخيرة من شهر رمضان المبارك يتربى المعتكف على تحقيق مفهوم العبودية لله عز وجل في حياته العامة والخاصة ، ويضع موضع التنفيذ قول الحق تبارك وتعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) الأنعام /163 ، قال القرطبي ( محياي ) أي : ما أعمله في حياتي ، ( ومماتي ) أي : ما أوصي به بعد وفاتي ، ( لله رب العالمين ) أي : أفرده بالتقرب بها إليه ) .
(2) تحري لليلة القدر :
وهو المقصد الرئيسي من اعتكافه صلى الله عليه وسلم إذ بدأ اعتكافه أول مرة الشهر كله وكذلك اعتكف العشر الأواسط تحرياً لهذه الليلة المباركة ، فلما علم أنها تكون في العشرة الأخيرة من شهر رمضان اقتصر اعتكافه على هذه العشر المباركة .
(3) تعوّد المكث في المسجد
فالمعتكف قد الزم نفسه البقاء في المسجد مدة معينة . وقد لا تقبل النفس الإنسانية مثل هذا القيد في بداية أمر الاعتكاف ، ولكن عدم القبول هذا سرعان ما يتبدد عادة بما تلقاه النفس المسلمة من راحة وطمأنينة في بقائها في بيت الله .
نصيحــه للمعــتكـف :. إن كان معك رفقه ، فاختر الرفقة التي تعينك على الطاعة وتشد أزرك وتحرص على الخير واستغلال الأوقات وعمارتها بالعبادة ، وتجنب الذين تضيع أوقاتهم في حديث وكلام . وبعض المعتكفين إذا كانوا جماعة يظهر عليهم الجد في أول الأيام ، ثم يتراخون ويتكاسلون ، وتراهم كثيراً ما تضيع أوقاتهم في أحاديث لا فائدة من ورائها ، وقد ينجرُّ الحديث إلى أمور محرمة من غيبة أو غيره