|
(( كارثة النفود بقلم 0000 الدكتور \ عثمان بن صالح العامر00000
النفود مثل البحر (وأهل جبة على ذلك من الشاهدين)
أ.د/ عثمان بن صالح العامر
كثير هم أولئك الذين يرحلون من هذه الدار بصمت لا يعلم عن موتهم إلا عدد محدود من بني الإنسان.. وهناك من البشر من يكون لرحليهم من بيننا ضجيج يردد صداه الإعلام المحلي المقروء منه والمسموع بل وحتى المرئي وربما اتسعت الدائرة، وللصحف عندنا حق احتكار إعلانات التعازي والشكر للمعزي وطلب إبراء الذمة.. وصنف ثالث يرحل فجأة ويترك خلفه لغزا محيرا، ويثير موته عددا من التساؤلات تطارد ذويه ردحاً من الزمن ويطرح من حوله ممن يحاولون جادين قراءة الحدث وفك اللغز علامات الاستفهام والتعجب عن الكيفية ووقت الرحيل والمكان الذي شهد ساعة الاحتضار، وكل ينسج من خياله ما يكمل به أحداث القصة الموجعة ويجيب عن تساؤلات الناس المتكررة، ومن ثم يحاول عرض بضاعته المزجاة على من حوله، مدعماً تلك الرواية بما يضمن التصديق!! وهناك.. وهناك.. قصص لنهايات مقدرة ومكتوبة على هذا العبد أو ذاك منذ أن كان في بطن أمه مختلفة في أسبابها وكيفيتها وزمنها، ولكن النتيجة في النهاية واحدة (الموت)، ومعه الانتقال من دار العمل إلى دار البرزخ حتى يوم البعث.. ومع أنني قرأت كثيراً وسمعت أكثر من قصص الراحلين عن هذا الدار إلا أنني بحق تأثرت بشكل غريب مثل غيري ممن قابلتهم في شارع الحياة خلال الأيام الماضية القريبة بما حدث لأحد أبناء العوائل المعروفة في حائل وصغاره الثلاث (ابن وابنتين) وزوجه الجديدة في نفود جبة شرق قرية العليم، من نهاية جمعت بين الصور الثلاث التي أشرت إليها أعلاه (الصمت في البداية، والضجيج حتى هذه اللحظة، واللغز المحير الذي ما زال وربما يبقى طويلاً).. إن حديث المجالس اليوم في حائل على وجه الخصوص ما سمي (بحادث النفود) قصة نهاية مأساوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى كتبت عنها الصحف، وتابعتها المنتديات المحلية لحظة بلحظة وما زالت، وأثارت قريحة الشعراء فنظموا القصيد وسطروا مشاعرهم الإنسانية خاصة تجاه الأطفال الذين نشرت إحدى الصحف المحلية صورهم لحظة وجودهم داخل السيارة وقد بدت أجسادهم تتحلل؟؟!! رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة وجعل الصغار شفعاء لأهليهم يوم الدين، ورزق ذويهم الصبر والسلوان وجبرهم في مصيبتهم إنه على كل شيء قدير.
ومع أهمية ما كتبه كل من الزميلين العزيزين والكاتبين المعروفين الأستاذ صالح الشيحي والأستاذ عيسى الحليان في هذا الموضوع المهم الذي يشغل بال الرأي العام على الأقل في حائل المنطقة والمناطق الصحراوية الشمالية القريبة من الحدث، وما أشارا إليه من مطالب ملحة ترتكز على المساءلة والمحاسبة، مع أهمية ذلك فإنني أعتقد أن من الأهمية كذلك التعامل مع هذا الحدث على انه لن يكون النهاية بل جزماً سيكون لنا مع النفود قصص وحكايات خاصة مع قرب نهاية طريق الجوف حائل، فالنفود - كما يقول أهل التجربة العارفون بالصحراء - مثل البحر بخيراته ومكتنزاته وثرواته، مثل البحر بأسراره وظروفه وأمواجه وتحدياته، مثل البحر في متعة الغوص بالتطعيس بين قيعانه والوقوف على سيوفه وصعود كثبانه المتحركة التي تفعل فيها الرياح فعل الموج مداً وجزرا، وليس من جرَّب كمن سمع أو قرأ، وكما أن للسواحل خفرا وعلى الشواطئ فرق إنقاذ، فإن النفود هو أشد ما يكون حاجة إلى فرق الإنقاذ العارفة بالمنطقة وكيفية التعامل مع الصحراء، المزودة بوسائل السلامة الكافية، المتأهبة دوماً لعمليات المساعدة والتدخل السريع ومن مكان قريب، وليكن لدينا (أمن الصحراء) مثلاً أو حتى (خفر النفود)، ولم لا ؟؟!!، خاصة وأن خطة حائل السياحية - التي حظيت من قبل - وما زالت - ولله الحمد - تحظى بالدعم والمباركة بل والإشادة من قبل ولاة الأمر - حفظهم الله ورعاهم - وما سباق رالي للسيارات السنوي إلا خير شاهد ودليل - أقول خاصة إن هذه الخطة تعتمد بعد توفيق الله وعونه على صحراء النفود الرائعة المغرية المخيفة بل المميتة المهلكة لمن يجهلها ولا يعلم مساربها ومنعطفاتها ولم يقرأ أو حتى يسمع من قبل عن أسرارها وأحوالها، وإن كان ذلك الاقتراح محالاً في الوقت الراهن فليكن هدفاً طويل المدى، واليوم ومن منطلق التذكير ليس إلا - فنحن نعلم حرص وزارة الداخلية وفقها الله وأعانها على ذلك - فلا أقل من تعزيز جهاز الأمن العام بجميع مفرداته وبكل تبعاته في المنطقتين (الجوف وحائل)، وجعل مراكز متعددة قريبة من منطقة النفود أو حتى في وسطها (العليم) مثلاً، دورها التوعية والوقاية والإنقاذ والحماية والمراقبة وما إلى ذلك.. أما ما أشار إليه الكاتب الأستاذ الشيحي من فتح باب التطوع للإنقاذ في مثل هذه الحالات فإنني اثني على هذا الاقتراح المبارك ولكن بشرط أن يكون داعماً للجهود الرسمية الحكومية المعنية مباشرة بمثل هذه الحالات وليس بديلاً عما ورد أعلاه من اقتراح، إذ لا يمكن محاسبة ومساءلة من كان متطوعاً مثل من يتقاضى مرتباً على عمله الذي وكل به.. ولما أعرفه عن رجال وشباب مدينة جبة أقرب المدن إلى النفود من صفات النخوة والشهامة والنجدة وصنع المعروف، ومن معرفة عجيبة وغريبة وواسعة بالنفود وخباياه ودراية متميزة وفريدة بظروفه وأحواله صيفاً وشتاءً ليلاً ونهاراً فإنني أعتقد أنهم المؤهلون قبل غيرهم والمرشحون وبقوة لتأسيس ما يمكن تسميته مثلا (فريق الإنقاذ التطوعي في النفود) أو سمه ما شئت، لا يهم الاسم إذ (لا مشاحة في الاصطلاح).. يقول أحد شباب جبة لما سمع ما حدث لهذه العائلة وهو يتحسر دون اعتراض منه على قدر الله النافذ: (آه.. ما تنخابنا أحد، والله لو درينا من أول، والله ما صار اللي صار، كلن منا ركب جيبه وندورهم لمن نلقاهم، بس أقدار من ها العزيز الحكيم).
إنهم بحق - ويشهد على ذلك التاريخ ويدلل ويبرهن الحاضر المتمثل في مثل وقوفهم مع العائلة المكلومة حتى لحظة كتابة هذه السطور في محنتهم وبحثهم معهم عن فقيدهم وسط النفود وفي شمس الصحراء الحارقة - يشهد التاريخ ويبرهن الحاضر المعاش أنهم في الغالب الأعم مجتمع متطوع بالسجية يفرح حين يقدم خيراً أو يغيث ملهوفاً أو يعين محتاجاً، ويا شدة فرح أي منهم حين يشرف منزله عابر سبيل أياً كان، وعندي من القصص والشواهد القريبة التي تدلل على ذلك كثير وربما يعرف غيري خاصة من الرواة وكبار السن وأهل البر والترحال أكثر.. وصنائع المعروف تقي مصارع السوء. وأهل جبة أدرى بنفودهم، والنفود مثل البحر بل ربما أشد واسألوا إن شئتم أهل الخبرة والتجربة وجزماً ستسمعون عجباً..
منقول جريدة الجزيرة
حايلي
|