لا يطير الديك
كتب صادق الشايع:
ظلت الكرة العراقية على الدوام احدى ثلاث قوى كبيرة في المنطقة الى جانب الكرتين الكويتية والسعودية بل وتفوقت عليهما في بعض الاحيان ولكنها ابدا لم تلامس مجدا لامسه الكويتيون والسعوديون.
تعتبر الكرة العراقية الاقدم في المنطقة حيث تأسس الاتحاد العراقي في العام 1948 ودخلت الكرة بلاد الرافدين قبل ذلك التاريخ بكثير وتتفوق على منافستيها اللدودتين في الكويت والسعودية بكونها صاحبة افضل سجل في مشاركات عرب آسيا في الدورات الاولمبية بعد حلول المنتخب الاولمبي العراقي في المركز الرابع في اولمبياد اثينا 2004 متفوقة على الازرق الكويتي صاحب المركز الخامس في اولمبياد موسكو 80 كما تتفوق عليهما في عدد مرات الحضور في الدورات الاولمبية لاربع مرات مقابل ثلاث للكويتيين واثنتين للسعوديين.
والعراقيين هم الاقوى على صعيد كأس العرب التي احرزوها 4 مرات كما كانوا اول من يكسر احتكار الكويت لكأس الخليج ففازوا به 3 مرات قبل ان يدخل السعوديون نادي الابطال ويليهم القطريون ثم الاماراتيون.
وعلى صعيد الانجاز الاهم وهو كأس العالم فقد حذا المنتخب العراقي حذو الكويت فشارك في مونديال المكسيك 1986 كمرة اولى واخيرة حتى اليوم تاركا الصقور السعودية تحلق وحدها في سماء الكرة العالمية في 4 مناسبات متتالية.
وبالمثل فقد مرت بالكرة العراقية اجيال ذهبية اسوة بالكرتين الكويتية والسعودية.. فمقابل جاسم وماجد كان حسين سعيد وبمواجهة الدخيل ومحيسن كان احمد راضي والقائمة تطول لتشمل اجيالا لازالت ذكراها تتردد في اوساط الكرة الخليجية حتى الان ولو ان هذه الاجيال حظيت بما يحظى به ابناء اليوم من اضواء واهتمام اعلامي وفضائي وانترنتي لطغت شهرتهم على الجميع وبدون مبالغة.
شيء واحد فقط ظل العراقيون ينتظرونه لسنوات طويلة دون جدوى بالمنتخب صاحب الصولات والجولات في البطولة الخليجية والعربية لم ينجح ولو لمرة واحدة فقط في أن يحمل نهائي الأمم الآسيوية رغم أنه كان اول العرب احرازا لذهبية الالعاب الأوليمبية في نيودلهي 1982 عندما هزم الازرق بهدف حسين سعيد المتأخر.
ولا يحمل العراقيون الكثير من الذكريات الطيبة عن كأس أمم آسيا مع ان العديد من نسخ البطولة اقيمت وهم في قمة التألق وذروة النجاح.. بدأ العراقيون مشوارهم مع كأس أمم آسيا في البطولة الخامسة في تايلاند 1972 ولم يخرجوا سوى بنقطة يتيمة من تعادل مع أصحاب الأرض 1/1 وقبلها خسارة ثقيلة أمام الغريم الايراني صفر3/ في إطار المجموعة الأولى فودعوا البطولة مبكراً.
وفي النسخة السادسة في طهران 1976 كان حظ العراقيين افضل بعد أن بلغوا الدور قبل النهائي اثر فوز على اليمن الجنوبي آنذاك /1صفر وخسارة أمام المضيف صفر2/ ولكنهم اصطدموا في الدور قبل النهائي مع البعبع الكويتي الذي كان قبل شهرين فقط قد اذاقهم مر الهزيمة 2/4 في نهائي كأس الخليج الرابعة في الدوحة.. وجدد الأزرق تفوقه ولكن 2/3 هذه المرة بعد أن تألق فتحي كميل الغائب عن كأس الخليج وسجل هدفين فيما تكفل المرحوم فاروق إبراهيم بالهدف الثالث.
وبعد المباراة لم يتقبل العراقيون الهزيمة الثانية على التوالي أمام الكويت بالذات فافتعلوا مشاجرة كان من ابطالها المدافعان عدنان عبدالله ورضا معرفي ودكتور الفريق ووزير الصحة فيما بعد عبدالرحمن المحيلان ومدير المنتخب عبدالوهاب البناي حتى ان الصحف الايرانية خرجت في اليوم بعنوان يصف المباراة والمعركة معا جاء فيه «ان الكويتيين فازوا بالايدي.. والاقدام!!» وخسر العراقيون لقاء تحديد المركزين الثالث والرابع امام الصين بهدف وحيد.
وغاب المنتخب العراقي عن نهائيات الكويت 1980 بسبب دخولهم حرب «العبث» و«البعث» مع ايران.. وتكرر الامر في نهائيات سنغافورة 1984 رغم انهم كانوا وقتها ابطال الخليج وأحد ممثلي عرب آسيا في اولمبياد لوس انجلوس ويبدو ان العراقيين لم يرغبوا في خوض كأس اسيا ابدا في عقد الثمانينات فغابوا عن البطولة التاسعة في الدوحة 1988 وكانوا ايضا هم ابطال الخليج والممثل الوحيد للعرب في اولمبياد سيول في نفس السنة.
وكان المنتخب العراقي في طريقه لضمان تأهل سهل من المجموعة التي ضمته الى جانب الكويت وماليزيا المضيفة واليابان الضعيفة انذاك والاردن وباكستان كاول او ثان غير انهم اختاروا الانسحاب مجددا ليحرموا افضل منتخب مر على الكرة العراقية من خوض مغامرة تحقيق الانجاز الغائب في كأس اسيا.
لم يشارك المنتخب العراقي في نهائيات كأس آسيا في اليابان 1992 ولكنه عاد للظهور في النسخة الحادية عشرة ابو ظبي 1996 وبلغ دور الثمانية عن المجموعة الثانية القوية التي واجه خلالها منتخب السعودية وايران وتايلاند وحقق فوزاً لافتا على المنتخب الايراني قبل ان يواجه اصحاب الارض الاماراتيين في ربع النهائي وسط دعوات الكويتيين بان يفوز الابيض الاماراتي حتى لا يضطر الازرق للانسحاب امام العراقيين في دور الاربعة وبالفعل اقصى المدافع عبد الرحمن ابراهيم المنتخب العراقي بصاروخ من ركلة حرة بعيدة انتهى الى هدف ذهبي اسعد الاماراتيين كثيرا والكويتيين اكثر!
وفي لبنان 2000 تأهل العراقيون برداء اسود غير تقليدي الى دور الثمانية عبر مجموعة عادية جمعتهم باصحاب الارض والايرانيين والتايلنديين قبل ان يصطدموا بالساموراي الياباني الذي قصفهم 4 مرات مقابل رد وحيد للعراقيين الذين فشلوا للمرة الثانية في بلوغ دور الاربعة وتكرر السيناريو في الصين 2004 مع فارق ان العراقيين كانوا سببا في ابعاد المنتخب السعودي صاحب التاريخ الكبير في البطولة من الدور الاول بهدف نشأت اكرم ويونس محمود.. ومن هدف مبكر للهداف هاوها يدونغ وضربتي جزاء لزينغ زي انهى الصينيون مغامرة المنتخب العراقي عند حدود الدور قبل النهائي.
قبل البطولة الحالية خاض العراقيون 19 مباراة في كأس آسيا من خلال 5 مشاركات فقط ففازوا في 6 وتعادلوا في 3 وخسروا 10 مباريات واحرزوا 20 هدفاً فقط بينما استقبلت شباكهم 28 هدفاً.
رصيد ضئيل لا يليق بأحد أقوى منتخبات القارة الآسيوية في السنوات الثلاثين الأخيرة ولا يمكن اعتباره مقياساً لمستوى الفريق غير أن التاريخ لا يعتمد الا النتائج بأرقامها ولا يبالي بغياب نجم عن مباراة حاسمة او هدف ذهبي قتل الطموحات او حتى قرار اهوج من رئيس اتحاد مجنون حرم الفريق من تحقيق حلمه وحرم القارة من مشاهدة المنتخب العراقي في كأس آسيا.
واليوم يقف العراقيون على اعتاب تاريخ جديد في بطولة لم يكن لهم نصيب منها كما كان لهم نصيب في بطولات اخرى.. اليوم يحمل رفاق يونس محمود ونشأت أكرم احلام معانقة كأس لم يلامسوه هم ولا أسلافهم من أجيال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات.
أخيراً.. وليس آخرا.. وكما هو معروف بان العراقيين يتندرون على من يهيئ نفسه لأمر ما ثم يفاجأ بفشله بالمثل الشعبي الدارج لديهم «سخنّا الماي وطار الديك» وبالتأكيد فان العراقيين اعتادوا على الا يفرحوا قبل أوان الفرح لان ما مرّوا به كرّس لديهم هذه القناعة وبالتأكيد ايضا هم لا يريدون لـ «ديك» كأس آسيا ان يطير من بين ايديهم هذه المرة بالذات.
|