|
تابع لموضوع هل أحوال المجتمعات المعاصرة تستدعي الحديث عن الإمَّعَة؟
[align=center]
[glow=000000]بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين
ولا أقل من ذلك وأصلح لنا شأننا كله
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
أما بعد:
والإمَّعَة هو الذي لا رأي له،
فهو الذي يتابع كل أحد على رأيه، ولا يثبت على شيء،
ضعيف العزم،
كثير التردّد،
قلبه مَحْضِن للدَّخَل والرِّيَب،
تجدونه يومًا يمانيًّا إذا ما لاقى ذا يَمَنٍ، وإن يلاقِ مَعَدِّيًّا فعَدْناني،
وهذا هو الإمَّعَة المَمْقُوت، وهو الذي عَنَاه النبي صلى الله عليه وسلم
في الحديث الذي يحذر أمته بقوله:[/glow]
((لا تكونوا إمَّعَة تقولون:
إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا،
ولكن وطِّنوا أنفسكم:
إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا))
رواه الترمذي وحسنه.
[glow=000000]ولقد أشار ابن مسعود رضي الله عنه إلى مثل هذا الصنف في زمنه حينما ظهرت الفتن فقال:
(كنا في الجاهلية نعد الإمَّعَة الذي يتبع الناس إلى الطعام من غير أن يُدعى،
وإن الإمَّعَة فيكم اليوم المُحْقِبُ الناسَ دينَه)،
أي: الذي يقلّد دينه لكل أحد،
وقال أيضًا:
(ألا لا يقلّدنّ أحدكم دينه رجلاً؛ إن آمن آمن، وإن كفر كفر؛ فإنه لا أسوة في الشرّ).[/glow]
[glow=000000]إن من أعظم ما يقاوم به المرء وصف الإمَّعَة أن يكون ذا ثقة بنفسه،
وذا عزيمة لا يُشتّتها تردّد ولا استحياء،
فمن كان ذا رأي فليكن ذا عزيمة؛
فإن فساد الأمر أن يتردّد المرء.[/glow]
[glow=000000]وبالتّتبع والاستقراء لأمور الشريعة وأحوال السلف عُلِم أنه
لا تجتمع العزيمة والرأي السديد الموافقان لصِبْغة الله وشرعته ثَمَّتَ يحصل الفساد،
وليس بخافٍ عنا موقف النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية في حين
أن بعض الصحابة رضي الله عنهم رأى أن ظاهر الصلح ليس في مصلحة المسلمين،
ولكن ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بربه وبوعده لم تورده موارد التردّد،
ولم تؤثر على عزمه كثرة الآراء والتهويل.[/glow]
[glow=000000]وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما أصَرّ على قتال المرتدّين
وقد راجعه في ذلك بعض الصحابة
غير أن الثقة بالله والقناعة بالدين كانت حافزًا قويًا في المُضِيّ قُدُمًا
في نفاذ عزمه وعدم الالتفات إلى الآراء الأخرى نصرة للدين وإمضاءً للحق،
وقد قال مقولته المشهورة:
(والله، لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة)،
فلم تكن كثرة الآراء والأصوات سبيلاً إلى إحْجَامه، وزعزعت قناعته عما كان عليه من الحق.[/glow]
[glow=000000]وقد ذكر شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
عندما أراد المسير لقتال الخوارج عرض له مُنَجِّم فقال له:
يا أمير المؤمنين، لا تسافر؛ فإن القمر في العَقْرب؛
فإنك إن سافرت والقمر في العَقْرب هُزِم أصحابك.
فقال علي رضي الله عنه : بل نسافر ثقة بالله وتوكّلاً على الله وتكذيبًا لك.
فسافر فبورِك له في ذلك السفر حتى قتل عامّة الخوارج،
وكان ذلك من أعظم ما سُرَّ به رضي الله عنه .
إن مما يُعزّز مكانة المرء المسلم وصدق انتمائه لدينه وثباته على منهاج النبوة
ثقته بنفسه المُستخلَصَة من ثقته بربه وبدينه،
فالمسلم الواثق بنفسه إنما هو كالطَّوْد العظيم بين الزَّوَابِع والعواصف،
لا تعصف به ريح، ولا يَحطمه موج،
وهذه هي حال المسلم الحقّ أمام الفتن والمتغيّرات،
يرتقي من ثبات إلى ثبات، ويزداد تعلّقه بربه وبدينه كلما ازدادت الفتن،
وادْلَهَمَّت الخُطُوب، وهو إبّان ذلك كله ثابت موقن،
لا يستهويه الشيطان، ولا يلهث وراء كل ناعِق،
حادِيه في هذا الثبات سلوك طريق الهدى وإن قلّ سالكوه،
والنَّأي عن طريق الضلال وإن كثر الهالكون فيه.[/glow] [/align]
|