يعدّ كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي من أروع ما خُط من أدب العصر الوسيط في دراسة الحب، لتحليله لهذه الظاهرة، وأبعادها الإنسانية الواسعة، ولقدرته على سبر طبائع البشر وأغوارهم.
والكتاب هو سيرة ذاتية لكاتبه أن ما يماثل حياته العاطفية، فقد جمع ابن حزم ما بين الفكرة بمفهومها الفلسفي وما بين الواقع التاريخي، فكان بذلك محلقاً بأفكاره، وراسخاً على الأرض بقدميه، جريئاً وصريحاً ومتحرراً من الخوف ومن التزمت، وقد دعم أفكاره بحكايات سمعها أو عاشها، واختار لها العديد من أشعاره المناسبة.
سلكت مطبوعة "طوق الحمامة" طريقاً طويلاً حتى وصلت إلينا في نسختها الحالية، وتعاقب على نسخها وتحليلها وتصحيحها العديد من المستشرقين، الذين كان لهم الفضل الأكبر في إيصالها لنا.. ففي نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر، قام السفير الهولندي المستشرق "فون وارنر" بدراسة المخطوطات العربية خلال فترة انتدابه سفيراً في الآستانة، ومن محاسن الصدف أنه اشترى ألف مخطوط من "حاجي خليفة" الذي كان يملك واحدة من أكبر مكتبات الآستانة، وكان من بين هذه المخطوطات مخطوط "طوق الحمامة"، الذي قُدر له أن يستقر في مكتبة ليدن/هولندا، لمدة 175 عاماً،ومن ثم تقدم د. الطاهر أحمد مكي بضبط نص الكتاب وتحرير هوامشه، في طبعة صدرت عن دار المعارف المصرية في العام 1975..
وعلى هذه النسخة الأخيرة سنعتمد في تلخيصنا لمحتوى مخطوطة "طوق الحمامة"، واضعين نصب أعيننا أن ما ارتضاه ابن حزم الأديب والعالم والفقيه الظاهري في قرطبة عاصمة الأندلس، وكذلك ما ارتضاه المسلمون في القرن العاشر الميلادي، لا يجوز لنا رفضه في قرننا الواحد والعشرين، أي بعد مضي إحدى عشر قرناً، بحجة التدين أو الورع، أو حفاظاً على القيم والأخلاق، أو بحجة أن هذه النصوص تخدش الحياء العربي العام، الذي لم يخدشه واقعنا بكل ما فيه من جهل وتخلف وهزيمة.
|