الامبراطور آتيلا:
و لما تبوأ آتيلا على العرش، و تملك بيديه زمام الأمور و زعامة الترك و قيادة الجيش، أخذ قبل كل شيئ يفكر فى تنظيم الخطط لتحقيق الآمالى البعيدة فتوجه لاحتلال موسيا
موسيا(1)، ثم استولى على « سيرميوم » عاصمة بانونيا القديمة، و تغلب على البيزنطيين فى موقعة عظيمة أمام قلعة « مارسيانوبول »(2) ووضع الأتراك ايديهم على الارض الواسعة من مضيق الدردنيل و جوار استبول إلى مرموبيل، و وقع فى أيديهم عدد لا يحصى من الاسرى، و مقادير عظيمة من الغنائم.
و لجأ البيزنطيون إلى إلتماس الصلح بعد هذه الهزيمة المنكرة؛ و انعقد الصلح فى « مارغوس » لصالح الترك، و أصبحت الدولة البيزنطية فى حكم المستعمرة التابعة للدولة الهونية التركية.
و بهذا الفتح الباهر، رفرف علم تركستان على عواصم أوربا و أخضع فيها الدول المختلفة، بعد أن أصبحت الدولة البيزنطية فى حكم دولة تابعة لخاقان تركستان « آتيلا العظيم » و امتدت حدود الامبراطورية إلى نهر الرين فى الغرب، و من البحر الاسود و نهر طونا جنوبا إلى بلاد اسكنديناوه شمالا هذا فى الغرب.
دولة الهياطلة
وأما فى الشرق، و فى داخل تركستان فقد كانت تحكم دولة تركية أخرى تسمى: « دولة الهون البيض » وفى المصادر العربية « الهياطلة »- و قد لعبت هذه الدولة أيضا دورا هاما فى تاريخ آسيا و لها أهمية خاصة فى تاريخ الهند و الفرس أيضا - إذ إستطاعت هذه الدولة توسيع رقعتها فى مدة وجيزة حيث أعلنت الحرب على الدولة الساسانية فى إيران، وتغلبت على كسرى و فيروز، وألحقت به هزيمة دامغة فى موقعة حربية؛ شرقى بلخ سنة 484م.
و بعد تحقيق هذا الفوز اتجهت صوب الهند فاستولت على كشمير، و نهر الهندوس حتى «مالوا » فى الجنوب، و بذلك أصبحت هذه الدولة التركية التى تسيطر فى تركستان على حوض نهر « تاريم » و « ماوراء النهر » و الصغد دولة عظيمة تسيطر فى خارج بلادها على أفغانستان كلها، و حوض نهر الهندوس و كشمير، و قضت على دولة كوبتا فى الهند، و عاشت فى عظمتها ... إلى أن ظهرت فى تركستان دولة جديدة من أعظم الدول، و هى دولة الترك العظمى « تو – كيو » (Tukyu) حيث انقسمت مواطنها فى غير الهند بين الدولة الساسانية، و هذه الدولة التركية سنة 566م.
دولة توكيو
تأسست هذه الدولة أول الأمر فى منطقة « آلتاى » بعد انقراض الدولة الهونية العظمى، و عاشت هناك إلى القرن السادس الميلادى حتى تقدمت فى الحضارة و الرقى، و استطاع « إيلخان بومين » الذى يعد مؤسسا حقيقيا لهذه الدولة أن يوحد جميع القبائل التركية فى تركستان تحت علمه و عين أخاه ( استمى – Istimi ) الذى يعرفه أهل الصين باسم: « شى – تى – مى » و ذكره الطبرى ( سنجو خاقان )، حاكما على المقاطعات الغربية بعنوان « يابغو » و أعاد مجد الدولة الهونية حيث امتدت حدود الامبراطورية من شبه جزيرة كوريا إلى بحر الخزر....
و بذلك أصبحت تركستان مرة أخرى من أكبر دول العالم.
ثم أعلن الخاقان « موخان بن إيلخان بومين » حربا على امبراطوريتى « وى » و « جوى » فى الصين، و اجبرهما على أن يدفعا إتاوة سنوية إلى تركستان ... ثم تخالف مع نوشيروان و اشتركا معا فى القضاء على دولة الهياطلة، و اقتسما أراض يهما بينهما – على أن يكون نهر جيحون حدا فاصلا بينهما ( أي تركستان وإيران )....
ولما ظهر الجفاء بينهما استرد من إيران ما كان بيدها من أراضى الهياطلة، وضمها إلى تركستان بحجة انها فى الاصل ممتلكات تركية – ويجب أن يعطى ما للترك للترك – وبذلك أصبحت باقتريا، وأفغانستان، وجميع البلاد التى تقع بين نهرى جيحون والهندوس تابعة للتركستان من جديد و امتدت حدودها فى بعض الأحيان إلى شبه جزيرة القريم فى الغرب.
و نعلم من المراجع البوزنطية أن الترك فتحوا عام 576م مضيق القريم، و وصلوا عام 581م إلى أسوار خرسون، و ثمت مصادر بوزنطية من عام 568م إلى عام 598م. و كانأول رسل البوزنطيون و هو « زمرخوس » الوحيد بينهم الذى عبر نهر آتيل ( قلجا ) و زار مقر خاقان الترك الغربية الذى كان قريبا، شمالى مدينة كوجا ( عند مدينة بوكور ) و دارت بينه و بين الخاقان مفاوضات ترمى إلى القيام بحملات مشتركة على الساسانيين.
غير انهما لم يعقدا حلفا ثابتا، و ما أن مضت سنون قلائل حتى اشتبك الترك فى حرب مع الروم و الفرس؛ و غزا الأتراك « اللان » فأضحت مملكة الساسانيين على تخوم الاراضى التركية لا فى تركستان فحسب، بل فى غربي بحر قزوين ايضا. و أقيمت أسوار « دربند » لدفع الترك عن البلاد، و شيد الساسانيون الحصون فى البلاد التى إلى الشرق من بحر الخزر لتدرأ عنهم عادية جيرانهم الترك، فأقيم سور من الآجر لحماية جرجان و لكن هذه السور لم يقف دون غزوة الترك الظافرة، ( و يقال أن كسرى انوشروان هو الذى شيد هذا السور ).
و لدولة الترك هذه أهمية خاصة فى تاريخ حضارات آسيا العامة حيث خلفت من آثارها الكتابة التركية القديمة المشهورة بالنقوش « الارخونية » التى تعد من اخلد المآثر فى سجل التاريخ التركية، كما انها لعبت دورا مهما فى تاريخ العالم إذ كانت ترتبط بعلاقات سياسية و اقتصادية مع الصينيين و الساسانيين و البيزنطيين، و صارت قوة الدولة فى النصف من القرن السادس الميلادى إلى درجة لم تهدد الصينيين وحدهم بل كانت الدولة الساسانية و البيزنطية، و الصينية، تحسب حسابها، و تخطب صداقتها. و فى ظل نظامها الدقيق امكن تحقيق المبادلة الاقتصادية، و الأدبية بين الصين و الهند و الفرس و الروم، و اصبجت تركستان حلقة الاتصال بين الشرق الاقصى، و بقية المسكون من الكرة الارضية.
الحركة الفكرية:
كان رجالها يقوم بمهمة نقل الآثار الفلسفية و الأدبية و المدنية و الاديان و التاثر بها، ثم نقلها من الغرب إلى الشرق، أو من الشرق إلى الغرب.
و فى ظل تلك الدولة العظيمة كانت تركستان لأمن طريقها و حسن نظامها ممرا للأديان و الافكار؛ فاجتازت البوذية، و المانوية، و المزدكية، و الزرادشتية، و كذلك النصرانية التى قدمت الهند و إيران و الشرق الادنى إلى الشرق الاقصى عابرة هذه المملكة التركية الشاسعة.
و كانت الدولة تنقسم إلى ادارتين مختلفتين: الشرقية، و الغربية. و كانت الغرب تابعة لإدارة الشرق، و يحكم الغرب أمير من الأسرة المالكة بعنوان « يابغو »، ثم انفصلت إدارة الغرب عن الشرق سنة 582م فى عهد الخاقان « شابوليو » بسبب منازعات الأمراء، و الدسائس الخارجية. و قد ذاق كلا القسمين وبال هذا الانقسام فيما بعد، و زادت الدسائس الصينية، فكانت أكبر عامل على اسقاط الدولة الشرقية بعد انقضاء نصف قرن على هذ الانقسام سنة 630م.
و أما الدولة الغربية، فلم يكتب لها أن يطول بها الزمن أيضا فقد انقرض سنة 659م على أثر منازعات داخلية و هجوم خارجى، و لكن التركستانيون ادركوا فيما بعد عاقبة التفرقة و الشقاق فظهر منهم زعيم مخلص و قائد محنك، يسمى: « قوتلوق خان » الذى طرد الصينيين إلى بلادهم، و أعلن نفسه خاقانا على بلاد تركستان سنة 681م، و احيا من جديد دولة الترك الشرقية، و احرز إنتصارات باهرة فى كل مواقعه، و أعاد المجد القديم، و خلد اسمه مشرقا فى صحائف التاريخ.
وبعد وفاته سنة 691م جلس على عرشه أخوه« موجوخان » و كان خير خلف لخير سلف – حيث انتصر فى جميع حروبه على الصينيين، كما انتصر على أتراك « قارلق » و « توركش » الذين حلوا محل الدولة الغربية – فى وقائع مختلفة؛ و بعد وفاته جلس على العرش « بيلكه خاقان » بن « قوتلوق خان »؛ ثم ابنه .....
وأخيرا هاجمها « الأويغور » من الأتراك، بمساعدة القبائل التركية الاخرى، مثل باسمل، و قارلق – و قضوا على الدولة القوتلوقية سنة 705م.
دولة تركش
وأما الدولة الغربية، فكانت قبيلة « تركش » وهى إحدى القبائل التركية التى تتألف منها الدولة الغربية – حلت محلها، و قامت بإحياء مجد الترك الغربية، و استعادة ملكها.
كانت آسيا تغلى بها مراجل الحوادث، و تغمرها انقلابات عظيمة، تهدد قوات تركش من الشرق و الغربو الجنوب ( أعنى الفتوحات العربية الإسلامية ) – بينما كانت الصين و التبت تتنافسان أيضا فى اخضاع ممالك الترك الغربية فى الجنوب.
و فى سنة 670م أصبحت التبت أمام أبواب كاشغر منافسا قويا للصينيين و فى تلك الأثناء، توفى خاقان تركش « اوجلة » سنة 706م و تربع على عرشه ابنه « سوقو » حدث نزاع شديد على العرش بينه و بين اخيه، فوثب عليهما خاقان الترك الشرقية، و قضى على حكم تلك الأسرة سنة 711م...
و على أثر ذلك اندلعت نار الحروب بينهم حتى ظهر منهم زعيم عظيم يسمى «سولو» فأخمدت الثورات، و وحد القبائل، و أعلن استقلاله عن دولة الترك الشرقية، فأقام نفسه خاقانا على تركش سنة 716م. وتحالف مع المسلمين العرب، و التيبتيين ضد الصين. و أظهر بسالة نادرة فى كل مواقعه، ولم يرفض مطالب إخوانه الأتراك فيما وراء النهر، و طخارستان لمساعدتهم ضد العرب و المسلمين.
و ذهب بنفسه مرارا لمحاربتهم، فحاربهم فيما وراء النهر، و طخارستان، و دفعهم مرارا حتى وصل فى إحدى إنتصاراته إلى خراسان – و فى النهاية دب روح النزاع من جديد بين قبائل « تركش » فانشطرت الدولة إلى حزبين، و قتل الخاقان فى المعركة، و عاش الحزبان مستقلين.
كان هذا النزاع بين الأتراك فرصة سانحة للصينيين، و للعرب أيضا فأخضع الصينيون بعض القبائل سنة 739م كما استرد العرب البلاد التى فقدوها فيما وراء النهر، و كانت دولة الترك الشرقية حينئذ قد انقرضت بهجوم مشترك من قبائل الأتراك « الأويغوريين» و« قارلق » و« باسمل ».