عرض مشاركة واحدة
قديم 08-01-2010, 06:35 PM   #75


الصورة الرمزية ابن العرب
ابن العرب غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 17319
 تاريخ التسجيل :  Jun 2010
 أخر زيارة : 05-17-2015 (08:21 PM)
 المشاركات : 781 [ + ]
 التقييم :  50
لوني المفضل : Cadetblue


قال نياز في حزم:

- نحن نرحب بصداقتكم، ولكن نعتذر عن قبول معاونتكم المشروطة، فقد قرر رجالي عدم السماح لجنودكم أو خبرائكم أو تجاركم بالنزول في بلادي.. وبهذا ترى أن الأمر لا أملكه.. ولكنه شعب ثائر قد قرر خطته بنفسه..

ومضت الثورة في طريقها، وانتشر رجال نياز في كل مكان، وتهاوت القلاع الصينية تحت ضربات الرجال الجبابرة، وتراخت قبضة حاكم الصين على تركستان الشرقية، ووقع في حيرة قاتلة، ووجده الروس في مأزق حرج، فأخذ يطلب المعونة من الروس، فوافق الروس بشرط أن تبرم بينه وبينهم معاهدة يكون من شروطها أن يكون للروس الحق في إنشاء وكالات تجارية في تركستان ولكل من يحمل الجنسية الروسية الحق في التجول في أنحاء البلاد، كما أنه ليس للسلطات المحلية الحق في التفتيش على الواردات الروسية...

وازدادت المعركة عنفا، كنا نمضي في شعاب الجبال، وفي خضم الأنهار والمراعي، فنرى الأسلحة وبعض رجال الروس يتدفقون لمساعدة الحاكم الصيني، وبدت المدن التي تحت سيطرة الصينيين وهي تغص بالرجال الروس، الذين أخذوا يبثون الدعايات المغرضة، ويرشون كبار رجال الحكم، ويحرضون على القضاء على خوجة نياز، الذين تمنوا أن يتحالفوا معه بالأمس...

والأدهى من ذلك ان الروس أخذوا يحرضون الطبقات بعضها على بعض، ويوقعون بينهم الفتنة والاشتباك، واستطاع السلاح أن يقوي شوكة الصينيين، كما استطاع التخريب الفكري أن يوهن القوى، ويمزق أواصر الوحدة الشعبية الكبيرة، وخضنا آنذاك معارك دامية، راح ضحيتها آلاف من الرجال، ووجدنا أنفسنا بعد شهور مضنية في حاجة ماسة إلى السلاح والمال والطعام، وكان لا بد أن نضمد الجراح، ونحظى بقسط من الراحة بعد الضغط الروسي الصيني الرهيب، فانسحبنا إلى الجبال..

واستطاع الحاكم الصيني أن يبسط سلطاته من جديد بعد أن كنا قاب قوسين أو أدنى من النصر التام.. وفي كهوف الجبال وممراتها وشعابها الكثيرة، كان خوجة نياز يتحرك بيننا ويقول:

- الحرب أيها الرجال، سجال.. يوم لك ويوم عليك... وقد عاهدنا الله ألا نستسلم حتى ننتصر أو نستشهد..

وكان يتطلع بعينيه القويتين النفاذتين إلى السحب التي تتوج هامات الجبال، ويجوب بنظراته عبر المراعي الشاسعة، ويحلم بيوم يستطيع فيه رجالنا أن يمسحوا كل شر وخطيئة دنست أرضنا الطيبة.. وكان يضحك ويقول:

- ها أنتم ترون الروس، الذين أتوا بالأمس لنجدتنا، يمدون يد العون الآن لعدونا.. ألا تعتقدون أنهم اليوم سبب نكبتنا..؟

ويعود خوجة نياز يضحك ويروي بعض ذكرياته:

- لا تحزنوا أيها الرجال.. من قديم والكنيسة تسعى للقضاء عليكم.. كانت تحرض روسيا على غزو ديارنا الإسلامية.. لأن الكنيسة لم تكن تنسى أن محاربينا الأشداء ساعدوا تركيا.. وعاونوا العالم الإسلامي في الحروب الصليبية، وبلادنا أيها الأبطال لها ماض وتاريخ وحضارة عظيمة، وفي أرضنا تكمن الثروات الضخمة..

إن هنام ألف سبب وسبب يجعلهم يطمعون في أرضنا.. وأهمها هو أننا مسلمون..
***
وبقينا في الجبل شهورا قاسية، لم نكن نكف فيها عن التدريب ومراقبة الأحداث، وتنظيم حرب العصابات، ونصب الكمائن، وبعد أن أعددنا العدة للهجوم الكبير، استدعانا خوجة نياز، وطلب منا أن نتخفي، وننطلق في أنحاء البلاد نجمع الأخبار، وندرس أحوال اعدو، ونقاط الضعف في تنظيماته، وفي وسط الرجال قلدني نوط الشرف وقال لي:

- يا مصطفي حضرت مراد حضرت.. أنت كنت دائما مثال الجندي العظيم.. وأنا إذ قلدتك هذا الوسام، إنما أعبر فقط عن بعض تقديري الذي ملأ قلبي.. وأرجو أن تسرعوا بالعودة.. فلم يعد أمامنا وقت طويل..

وانطلقنا في شتى الأنحاء متخفين، قومول الحزينة متشحة بالسواد؛ لأن الرجال يشنقون لأقل الشكوك، و"كاشغر".

لا تستطيع أن تقابل أحدا من رجالها الأبطال؛ فهم إما متخفون، أو هاربون في الجبال، أو يتظاهرون بتأييد الحاكم الصيني، أو يسير في رجال الخبراء الروس، أصبح من الصعب على الإنسان أن يميز الحقائق، وسط العنف الزائد، واستبدتاد الذي لا يرحم، وتغيرت معالم الأشياء في أورومجي، يخيل إلي أنن لا أرى إلا وجوه الصينيين والروس، الزحف الشيطاني يدير الرؤوس، ويزيغ الأبصار ويملأ الآذان بالطنين.. وهكذا صرت أتجول من مكان لمكان، ومن مدينة لمدينة، وعدت إلى قومول أبحث عن "نجمة الليل" الأسود الحزين أين أنت يا حبيبتي الفاتنة؟ نفسي تطفح بالآلام والأحزان والوسام الذي علقه القائد على صدري ذات يوم أشعر كأني لا أستحقه، لا قيمة لأوسمة والعدو يروح ويجئ ويلهب ظهر أبناء الوطن بالسياط، أو يسوقهم إلى السجون، أو يعلقهم على أعواد المشانق.. أشعر بغصة في حلقي.. بمرارة قاتلة.. ومع ذلك كنت ابحث عن "نجمة الليل"، ذهبت إلى قصر الأمير في قومول.. قصر الذكريات.. والحب الغاضب.. والتمرد العاطفي.. والوعود الخلابة.. وبدا لي القصر كمبنى ثري عتيق من مخلفات الأقدمين، وبدت دوحاته الشامخة وكأنما هدتها السنون، وخطها المشيب.. كل شيء يشيخ ويمرض.. ويبعث على الدموع والأحزان.