قد جمع الله في كتابه في آيات كثيرة بين الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ؛ لأنهما مشتركتان في أنهما من أهم فروض الدين ، ومباني الإسلام العظيمة ، والإيمان لا يتم إلا بهما ، ومن قام بالصلاة وبالزكاة كان مقيما لدينه ، ومن ضيعهما كان لما سواهما من دينه أضيع ، فالصلاة فيها الإخلاص التام للمعبود ، وهي ميزان الإيمان ، والزكاة فيها الإحسان إلى المخلوقين ، وهي برهان الإيمان ، ولهذا اتفق الصحابة على قتال مانعي الزكاة ، وقال أبو بكر رضي الله عنه : " لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة " .
وبين تعالى الحكمة في الزكاة وبيان مصالحها العظيمة ، فقال : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا فهذه كلمة جامعة ، يدخل فيها من المنافع للمُعْطِي والْمُعْطَى والمال والأمور العمومية والخصوصية شيء كثير ، فقوله : تُطَهِّرُهُمْ أي : من الذنوب ومن الأخلاق الرذيلة ، فإن من أعظم الذنوب وأكبرها منع الزكاة ، وأيضا إعطاؤها سبب لمغفرة ذنوب أخرى ، فإنها من أكبر الحسنات ، والحسنات يذهبن السيئات .
ومن أشنع الأخلاق الرذيلة البخل ، والزكاة تطهره من هذا الخلق الرذيل ، ويتصف صاحبها بالرحمة والإحسان ، والشفقة على الخلق ، وتطهر المال من الأوساخ والآفات ، فإن للأموال آفات مثل آفات الأبدان ، وأعظم آفاتها أن تخالطها الأموال المحرمة ; فهي للأموال مثل الجرب تسحته ، وتحل به النكبات والنوائب المزعجة ، فإخراج الزكاة تطهير له من هذه الآفة المانعة له من البركة والنماء ، فيستعد بذلك للنماء والبركة ، وتوجيهه للأمور النافعة ، وأما قوله : وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا فالزكاة هي النماء والزيادة ، فهي تنمي المؤتي للزكاة ، تنمي أخلاقه ، وتحل البركة في أعماله ، ويزداد بالزكاة ترقيا في مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ; وتنمي المال بزوال ما به ضرره وحصول ما فيه خيره ، وتحل فيه البركة من الله . [/align]