التفـتَـت إليه مرّةً أُخرى لِـ طَـرحِ سؤالٍ زاحمَ فِـكرها , فَـقالت ؛ عُذراً .. هذهِ الـمُــناسبة كما تعلَـم للأقرباء والجِيران فقط .. وَ أنتَ هُـنا لأنكَ على صِـلَـة بالعائلة ؛ فمَـن تكونُ أنت ؟!
( بِـ بسمَـةٍ أبلَـغ من ابتِـسامة طِـفلٍ يَـتيْـم ) قالَ ؛ نعَـم .. و صِـلّـة القرابَـة دمَــويَّـة ..
قالت ؛ كَـيف ؟!
قالَ ؛ أنا خالِـد / ابنُ عمّـكِ الوَحيد ، وسبب عدم معرفتكِ بنا .. هوَ وجُود خِـلاف بين والدِي وَ والـدِك منذُ القِـدَم ..
أمَّـا أنا فَـ تفـرَّغتُ لِـدراستي في الخارِج ، ولا وقتَ لديّ لإضاعة ماتبقّـى مِـن مُستقبلِـي .. في كـنَـفِ خلافات عائليّة لا تُـسْـمِـن ولا تُـغْــنِـي مِـن جُـوع ..
هـزّت رأسِـها في ظلّ استفهامَـات الحِـيرة والأسباب العَـقيمَـة المُحِـيطة بها ..
خالد آنذاك أرادَ أن يُـغادِر قبل أن تقرأَ الرسالات الصامِـتة من لَـهِـيْـبِ عينَـيـه .. " رسالات شوقٍ , وَ وَجعٍ , وَ لَـوعَـة " ..
قالَ ؛ هُـناكَ بالقُـرب من جُذورِها سِـــرٌّ وشَـــى بهِ قلبِـي إليها ؛ فابحثِـي عن شَـفرات حُـروفِـه .. وداعاً
عادَتْ ياسَـمينة حينها إلى منزلِـها ، والحِــيرة تشقُّ طريقِـها إليها ، وتزيدُ مِـن لَوعـة قلبِـها ..
و في مُحاولة فاشِـلة إلى النّوم خلَـدت إلى سريرِها الفَـيروزِيّ ،، تحتَـضنُ دُميتها الصَّـغيرة ، وَ تَضغطُ بها على قلبِـها لعلَّـها تُــصْـمِـت نبضَـاتِـه المُـتسارِعَـة لشيءٍ مَـجهول حتى اللَّـحظة ..
مَـضت سَـاعتان ولم يَـزورها الضَّـيف المَـدعُـوّ " نَـــــوْم ".. فهبَّـت مِـن سَـــريرِها .. تسيرُ على أطرافِ أصابـعِـها . بهُـدوءٍ كثيف يَـقطعهُ صوتَ صَـرير الباب ، و زخَّـات المطَـر .. تسيرُ مـتَّـجِـهَـة حيثُ تلكَ الشجرَة الوَحيدة .
أوّل ما وقعَـتْ عليهِ عينَاها الواسِـعتانِ كانَ حرفٌ الـ ( خَـاء ) .. حُـفِـرَ بِــ إتـــقَـانٍ , و بِـزخرفة بسيطَـة .. يعلوهُ حَـرف الـ ( يَـــاء ) ،، و يتوسَّـطهُـما قلبٌ كبير وجَــناحَـين يُـحلِّـقان بهِ إلى عَـالمٍ اتضحَـت بعضُ شفراتـهِ السريَّـة أمامها .. وَ بقِــيَ عليها أن تَـــتـعرَّفَ على سَـاكِـنــيه فقَـط ..
التقطَـتْ أنفاسَـها ،، بينَـما حـرارة جسدِها تزداد حتى وَ كأنَّـها تَـتبخَّـرُ بكَـثافة من مَـسامَـات جلدِها ..
نظرَت حيثُ جذور الشجرة ، فوجدَت التُّـراب في جُـزءٍ من جهتِـها الأماميّـة يعلُـو عن سائـر الجِـهات .. فأزاحَـت بعضِـه بيَـديها النَّـاعِـمة .. شيئاً فشيئـاً تظهرُ أمامَ عينَـيهَـا أوراقٌ كثيرَة قد اتَّـسخَ بياضُـهَـا
ببعضِ حبَّـات الرِّمال الرَّطِـبَـة العالِـقَـة بها ..
اختارَتْ من بينِـها ورَقـةً مُـغَلَّـفة بِـ ظَـرفٍ أحمَـر يَـختلف في ظَـاهرِه عن بقيَّـة الأوراق المُـجاورة لَه . فتحَت الورَقـة وَ قرأتْ سُـطورِها بصوتٍ بطيء يتردّدُ صداهِ بِــ ؛
أ// حبكِ شمساً تُـدفئُ كلّ القُـلوب البَـاردة . أ// هواكِ سَـعادة تُـفرِحُ كلّ العيُـون الحَـزينة . أ// عشقكِ فَـجراً يُـبددّ كل الظُّـلمات الباهِـتة . منذُ خمسة عشر عاماً و قلبي يفوحُ بشذا حُبِّـك ، حتَّـى انْـتَـشرَ عبيْـرُه في زَوايَــا أوردَتِـي.. وَ في كُـلّ خَـلِــيَّـةٍ مِـن جسَـدِي ..
بتنهُّـدات فَـرحٍ وَ لهفَـة يحتَـضنا بعضَـهُـما بِـ شدَّة : لأوّلِ مرّة والـمطَـرُ بينَـهما شاهِـد ، و السَّـماء لهُـما سقـفٌ آمِـن . بعـدَ يومـينِ فقط .. لم يُـطِـق خالد الانتِـظار أكثَـر ؛ بِـ خوفٍ يعتَـريْـه قــرَّرَ أن يتجاوزَهُ وَ يَـتـقدّمَ إلى عمّـه والد ( ياسَـمينَـة ) لطَـلب الزواج بها رَسميَّـاً .. كانَ يخشى الرَّفض من والدِها المُـسِـنّ ، بدأَ حَـديثَـهُ بوَصفِ مَـدى حُـبِّـه لابنَتِـه منذُ سنواتٍ عَـديدة ،، إلى أنِ انتهَـى بإجابة صَـادَمَـه من والدِها جُـلّ ما ترمِـي إليه ؛
أن يَـنشغِـل خالد بإتمَـام دراستِـه ، وَ بما أنَّ ابنَـتِـه لازالتْ صغيرة فالأفضَـل أن يَـدعها وَشأنهَـا حتى تجِـد مَـن يُنـاسبها وتُـناسبِـه . نهضَ خالد والدَّمعَـة تسبحُ في أرضِ عينَـيه .. تمالكَ خُـطواتِـه وسارَ بثِـقَـلٍ يجمَـعُ ما بينَ البَـيْـنَـين ( يَـأسٌ وَ أسَـى )..
مضَتْ الأيام والشُّـهور عليهِـما كَـ قرونٍ طويلَـة مليئـة بِـ صَـخب المَـواجِـع ، وَ مُـعاناة المسَـافة ، وَ هُـبوط مُـستوى الأمَـل ، وَ ارتِـفاع مُـستوى الألَـم .. ثم قرَّر خالد بعدَ استِـشَـارة والدَيه أن يذهب خارج وطَـنِـه ؛ لِــ يُـكمِـل شهادتَـهُ العلميَّـة ، و يتَـناسَـى ما ألَـمَّ بِـه ..
فذهبَ وأكملَ دراستِـه ، وبعدَ عامٍ وَ نِـصف زُفَّـتٍ تهانـي حُصولهِ على الدكتُـوراة في سائر الصُّـحف .. وبالرُّغم مِـن تلكَ الفرحَـة العارِمة كانَ لا يزال يشعـرُ بوَجعٍ يأنُّ داخـلِـه وَ يتكَـاثَـر ..
في اليَـوم التالي .. في تمام الساعة العاشِـرة صباحاً اتصلَ بهِ عمِّـه ( والد ياسَـمينـة ) ..
خالد بصوتٍ حَـزين ؛ آلووو عمِّـه ؛ كيفَ حالُـكَ يا بُـنَـيّ ؟! خالد ؛ بخَـيرٍ وَ نِـعمَـة .. عمِّـه ؛ مُباركٌ عليكَ هذا النّجاح ..
اخترتُ هذا اليوم لِأُهنِّـئُـكَ بِـه .. كما جِـئتَـنـي فيما مضَـى ؛ لِـ تُـهنِّـئنِـي بنَـجاح ابنتِـي .. فالفرَحُ رغيف سَـعادة ينبغي أن نـتَـقاسمَـهُ جميعاً مهما يَـكُن .. و لِأنّـكَ حقَّـقتَ ماكُـنتُ أُريدُ اختبارَهُ فيكَ ..
نعَـم تيقَّـنتُ بأنَّـكَ تُـريدُ ابنتِـي بِــ حُــبٍّ صادقٍ على غيرِ جشَـعٍ أو طَـمع .. و بِـتَّ الآن قادراً على رعاية أُسرة , و بناء أساسٍ سَـليم انطِـلاقاً مِـن شهادتِكَ العُـليَـا ..
يَــسرُّنِـي أن أُشارِكَـك الفرحَـة ( فَـرحَـتَـيْـن ) فحيَّـاكَ الله إلى بيتِـــي أنَّـى شِـئتَ ومتى شِـئت .. العَـمّ ؛ آلووو .. خالد هل تسمَـعُـنِـي ؟! آلوووو ..
يُـغلِـق خالِـد الهَـاتِـف ويَـنطلِـق معَ أقرب رِحلَـةٍ جويَّـة ؛ يُـردّد في كُـلّ جزءٍ من الثانيَـة ؛
العَـمّ يشعرُ بتوتُّـر خالد وازديَـاد قلقِـه .. فيُـمسِـك بيديهِ المُـتَـجعِّـدَتَـيْـنِ يَـدَيّ خالد و يقُـول ؛
كانَ لقُدومِـك إلى مَـنزلِـي في حفلَـة ابنتِـي وقعَـاً كبيراً في ذاتِـي ،. شعرتُ بالفَـخرِ والفرَح مِن موقفِـكَ النَّـبيل
الذي حملتَـهُ على عاتِـقكَ ، و قطَعتَ الرِّحاب والمسافات الشاسِـعة من خارج البلاد حيثُ منزلي هُـنا
لِـ تُؤدّي واجِـبَـك وتُشارِكُـنا البَـهجة ..
فقط أرجُـوكَ يا بُـنيّ ؛ أن تَـتواصَـى بها خيراً .. فأنتَ تعلَـم مدى تعلُّـقِـي بها ؛ لكَـونها أغلى ما أملُـك .. أرجوكَ فأرجووووك أنْ تجعَـلها ملِـكة مُـتوّجه على عَرش قلبِـك ..
قاطَـعهُ خالِـد قائلاً ؛ لا تقلَـق فَـهيَ أميرةُ قلبِـي ، وَ سيّـدةُ عقـلِـي ، وَ طِـفلةُ حياتِـي كُـلّـها .. سَـ تخلُـد آمِـنَـة في حُـصنٍ مَـنِـيع ، وَ عُـمرٍ بالعِـشقِ مَـديْـد ، وَ حولها سأضَـع أسْـواراً مِـن عَـسجَـدٍ ، وَ ياقُـوتٍ وَ زبَـرْجـد .. وَ أُشْـهِـدُ الله على ذلِك حتى آخر نفَـسٍ مـنْ رُوحِـي ..
وفي اعتِـرافٍ خَـمريَّ لأوّلِ مرَّة تـتأمَّـلُ ياسَـمينَـة وجه خالِـد .. وكأنّـها تَـرسِـمُ ملامـحَـهُ بِـ شغَـفٍ لِـ تُـعِـيْـذهُ سبعَـاً من نِـسَـاءِ النُّـون , وَ تـتلُـو علَـيهِ تراتِـيلَ الحَـكايا ؛
بِـ ابتِـسامةٍ لَـيْـلَـكِـيَّـة قالت ؛
أتعلَـم أنِّـي ؛ أحبُّكَ أملاً أرتويه في شَدائد أمُوري .. أحبُّكَ حُضنًا أستلقِـي عليه ليهْدأ ثورانَ تفكِـيري..
أحِبُّكَ في بداية الصَّـباح و اندثَـار المسَـاء.. أحِبُّكَ على شاطئ العاشِـقين متوسِّـدًا صَـدري الأمِـيْـن .. أحِبُّكَ مملكةً حُصونِها " غِـيرةٌ " تُمِـيتُ أرواح العابرين ، وَ تُـنهِـي أحلامَـهُـم.. أحِبُّكَ وأنت الّذي يشربُ من غَـدير قلبِي دون كَـللٍ أو مَـلل .. أحبُّكَ مَـثْـنَـى ، وثُـلاث ، وَ رُبَـاع .. أحبُّكَ أنتَ وَ غايتِـي أنتَ وَ مطلبِـي من ربِّ السَّـماء أنتَ ..! أحبُّكَ قريبًا أو بَـعيداً كُنتَ ..! أحِبُّكَ وكفَى بهذَا حَـديثاً .
خالد ( واضِـعَـاً يَـدَيهِ على قلبِـها النَّـابِـض بالعِـشق ) ,, أغمَـضَ جفنَـيهِ طَـويلاً ,, وَ تَــلى ؛
أُحِـبُّـكِ ،، وَ أُقْـسِـم .. أُحِـبُّـكِ ،، وَ أُقْـسِـم .. مرّت الأيَّـام وَ تزوّجَ خالد من ياسَـمينَـتِـه .. وَ أزهـرَ من غُـصنِـها الحَـنُـون بِـكْـرهِ الأوَّل طِـفلاً أَسمَـاه سَـالِـم إكرَاماً وَ بِـرَّاً بوالدِها الذي يكنُّ لهُ كُلّ المَـحِـبَّـة وَ التبجِـيل .
و بعدَ عامَـين من الحياة الهانِـئة رُزِقَـا بطِـفلةٍ في غُـنْـجِـها هِـيَ أشهَـى مِـن الشَّـهْـدِ و السُّـكَّـر .. ولكن شاءَ الله أن تتعرَّض " مَـليـكَــة قلبِـه " إلى نَــزيفٍ حَـادّ أثناء الوِلادة تسبَّـب بوفَـاتِـها مُباشَـرة ..
انتَـقلَـتْ رُوح حَـبِـيْـبَـتِـه إلى بَـارئـها .. أخَـذها الله لِـ يُـعطِـيه هِـبَــةً مِـن أحشَـائـها آنـسَـتْ فيهِ شيئـاً من حُـزنِـه القَـاتِـم ..