حمامة الغار .. تحكي لنا عن : هجرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم )
أنا حمامة بيضاء ، وديعة ، طيبة .. أطير وأرفرف ، وأهبط لألتقط الحب من ساحة الكعبة ، لا أخاف أحداً ، ولا يخاف مني أحد ؛ وكنت في هذا الصباح الجميل أطير فوق غارٍ في الطريق بين مكة والمدينة .. فكنت أبحث عن مكان أضع فيه البيض ، لكي أرقد عليه ليفقس ، وتخرج منه حمامتان صغيرتان ، ولقد رأيت هنا وهناك ثعابين وحيات كثيرة في ذلك الغار ، وكان يبدو أنها تنتظر شيئاً ، ولم أستطع أن أقترب منها .. لأنها إن أمسكت بي ابتلعتني ؛ ولكني رأيت عنكبوتاً رقيقاً .. فسألته :
ــ لماذا تجتمع كل هذه الثعابين ؟
قال :عندهم أوامر من الثعبان الكبير في مكة لكي يقطعوا الطريق على رجلين مهاجرين.
سألته :من هما ؟
أجاب :لا أعرف .. ولكن أنتِ يا حمامة تستطيعين الطيران إلى بعيد ، ويمكنك أن تعرفي.
وحينئذٍ .. طِرْتُ وارتفعتُ في الجو .. وسافرتُ مسافة طويلة قبل أن أرى المهاجرين ..
فلقد رأيت الرسول – عليه الصلاة والسلام – ومعه أبو بكر الصديق ، وكان الحديث يدور بينهما عن مكانٍ يستريحانِ فيه ويختفيان عن الكفار الذين يطاردونهما ؛ وفكرا في الغار .. فطِرتُ أدلهما عليه ، وأحاول أنظفه على قدر ما أستطيع ، ورحتُ أنقضُّ على الحيات أنقرها بمنقاري حتى دخلت شقوقها ، وأبلغت العنكبوت بالأمر ، فأبدى سروره لاستقبال هذين الضيفين الكريمين ، وانتظرتُ .. والعنكبوت معي ، وكنا قلقين عندما تأخرا ؛ فقد خفنا عليهما من أهل مكة .. لكنهما وصلا بخيرٍ – والحمد لله - ودخلا الغار.
وسد أبو بكرٍ شقوق الحيات وبقيَ شقٌ ، تمنيت – أنا الحمامة – لو أنني أسُدُه بجسمي ، وكذلك فكر العنكبوت أن يغلقه بخيوطه ؛ لكن أبا بكرٍ جلس وسده بقدمهِ.
وكنت أطير هنا وهناك ، في قلقٍ وخوف ، وسألني العنكبوت :
ــ لماذا لا تهدئين ؟ ولماذا لا تبحثين عن مكانٍ تضعين فيه البيض ؟!
قلت :إني خائفة من أهل مكة فأريد أن أرْقَبُ الطريق خشية أن يصلوا إلى ذلك الغار.
وظللتُ أطيرُ نحو مكة وأقطع مسافاتٍ طويلة ثم أعود ، ورجعت آخرُ مرة خائفة أرتجفُ وأرتعش .. وأسرعتُ إلى العنكبوت أقول له :
ــ الأشرار قادمون ! .. لو رأوا محمداً وصديقه فلن يفلتا منهم .. ماذا نفعل الآن ؟!!
سكت العنكبوت قليلاً يفكر ، ثم أجاب :
ــ سوف أنسجُ خيوطي على الباب لأغلقه.
وكدتُ أضحك لأنه يتصور أن خيوطه قوية تغلق الباب ؛ ولكني لم ألبث أن أسرعتُ معه ، ورحتُ أصنع عُشِّي أمام باب الغار ، ووضعت البيض وعلى الفور رقدتُ فوقهُ .. وفي نفس الوقت جاء الكفار – والحمد لله كنا قد انهينا عملنا – وعند باب الغار وقفوا يتساءلون :
ــ هل دخل محمدٌ وصاحبه الغار ؟
ــ ربما ...
ــ لابد أنهما دخلا الغار ...
فيرد آخر عليهم :لا لا .. لا أظن ... إنه مكانٌ مليئُ بالحيات والثعابين ...
ثم تبدأ المناقشة مرة أخرى :ندخل .. لا ندخل .. ندخل .. لا ندخل !
وفجأة ارتفع صوت أنقذنا مما نحن فيه .. قال :
ــ كيف ندخل هذا الغار ولم يدخله أحدٌ منذ وقتٍ طويل ؟!!
فسألوه :وكيف عرِفتَ هذا ؟!
فأجاب :انظروا .. ألم تروا أن العنكبوت قد نسج خيوطه بالباب ، ولو كان أحدٌ دخل .. لتقطعت هذه الخيوط ؛ وهاهي الحمامة راقدة في عشها وعلى بيضها ، ولو كان أحدٌ مر من هنا لطارت الحمامة وانكسر البيض .. ولهذا فإن أحداً لم يدخل أصلاً لهذا الغار منذ وقتٍ بعيد.
قالوا له :صدقت .. فعلاً ، لا يمكن أن يكونا هنا.
وبدأت أقدامهم تخطو بعيداً عن الغار ، وابتعدت .. وابتعدت ..... وأنا والعنكبوت نشعرُ براحة كبيرة كلما بعُد وقع أقدامهم ، وما إن غابوا عن الأنظار .. طِرْتُ أصفق بجناحيَّ فَرَحاً ، وراح العنكبوت وسط خيوطه يرقص طرباً.
واستيقظ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على دمعةٍ سقطت على وجهه الكريم من عين صديقه أبي بكرٍ ( فقد كان النبي مستريحاً بوضع رأسه على رِجْلِ أبي بكر) ، وكانت دمعة أبي بكر بسبب لدغةٍ شديده من حيةٍ كانت في الشق الذي سده بقدمه .. فوضع الرسول الكريم يده الشريفة مكان لدغة الحية ؛ فشفيت قدم أبي بكرٍ – بإذن الله – ولما رأينا ذلك .. ازدادت فرحتنا أنا والعنكبوت !!
وبعد أن استراح النبي وأبو بكرً ، قاما لكي يواصلا رحلتهما ، وطرت – أنا الحمامة – من فوقهما لمسافةٍ طويلة ، وأنا أرفرفُ بجناحي ، وأقول لهما من قلبي : مع سلامة الله ...
أترككم فــ أمــــــــــ الله ـــــــــــان ــي ورعايته
وكل عامٍ أنتم جميعاً بخير .. ورمضان كريم
ولا تنسونا من صالح دعاءكم
والسلام عليكم ورحمة الله
مما راق لي