مساءٌ عادي،
وقهوة داكنة…
أُمسكها كما يُمسك العاشق فكرةً لم تنضج بعد،
أحتسيها بهدوء، كأنني أُراجع شيئًا في داخلي…
شيئًا يشبه اليقين، ويخاف أن يكون وهْمًا.
في تلك اللحظة،
كنت أُؤمن — أو أتظاهر بالإيمان —
أنّ الأشياء تمضي كما كُتب لها،
أنّ الغياب لا يُسرق، بل يُقدّر،
وأنّ من خرج من الباب،
كان مكتوبًا له ألا يبقى.
اعتقاد؟
ربما.
أو مجرد عزاءٍ صغير يذوب في قعر الفنجان،
كما تذوب الأحلام التي لم نُصرّح بها.
القهوة اليوم داكنة أكثر من اللازم،
كأنها استوعبت تعب قلبي،
وأنا…
أُقنِع نفسي،
أن المرارة دواء،
لا نتيجة
أنا هنا لأفجر الصمت بكلمات، ولكني لن أضمن ماسيحدث بعدها..!
أحتسي رشفة وأفكر…
لو أن كل اعتقاداتي في الحياة
تسقط يومًا ما،
فسيبقى اعتقادي بكِ ثابتًا،
راسخًا كأنّه الحقيقة الوحيدة
التي لا تحتاج دليلًا…
أنتِ الحقيقة التي لا ينتهي سحرها،
ولو انطفأ كل شيء…
يبقى نوركِ يشعل الروح قبل القلب
عند المساء تغلق نوافذ الضوء.. ويمتد الظلام
وهنا ينشأ الإعتقاد
أعتقد
كل شيء داخلي يدعو أجزائي للإنهيار
من شدة التصدع وكل شيء خارجي يدعو لصمود
لشدة الحاجة ذلك..
أرتشفُ رشفةً أولى،
تتذكّرني الطرقات التي مشيتها وحدي،
وتتذكّرين أنتِ: امرأةٌ وضعت يدها على كتف قدري وقالت له: استقم.
في القهوةِ داكنٌ يشبه صدقي،
لا سكّر يُغالطه، ولا تكلّفٌ يلطّفه.
وأنا رجلٌ يحبّ وضوح المرارة حين تكون الطريق إلى حلاوةٍ أعمق.
اعتقادي بسيط كحبة بنّ:
أن الوصال لا يُشرح،
وأن الكرامة لا تُساوَم،
وأن اسمكِ حين يقابل اسمي يستيقظ الكون في حرفين.
أضع الفنجان على الطاولة كمن يضع وعدًا أمامه:
لن أخذلكِ.
سأبقى أثبت من رغوةٍ لا تغريني،
وأصدق من بخارٍ يزول ويبقى الأثر.
كل رشفةٍ تذكّرني أن القلوب تُصفّى على نارٍ هادئة،
وأننا لا نحتاج سوى صدقٍ يُسكب بلا زيادة ولا نقصان.
هذا ما تعلّمني إيّاه القهوة الداكنة:
أن ما يُقال مرًّا اليوم… يصبح غدًا طعمًا لا يُنسى.
وإيماني بكِ؟
إيمانُ رجلٍ رأى الطريق حين فتحتِ نافذة واحدة.
فليكن صباحنا قهوةً واضحة، ووعدًا لا يتراجع،
وليكن آخرُ ما يبقى على شفتي بعد كل رشفة:
أنتِ.