| التميز خلال 24 ساعة | |||
العضو الأكثر نشاطاً هذا اليوم ![]() |
الموضوع النشط هذا اليوم ![]() |
المشرف المميزلهذا اليوم ![]() |
المشرفة المميزه ![]() |
![]() |
على رصيف بحري
بقلم : الجوري ![]() |
قريبا![]() |
![]() |
| كلمة الإدارة |
|
|
|
|
||||||||
|
||||||||||
|
|
|
|
||||||||
« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات » |
الإهداءات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
#1 |
|
|
ما أتعس العاجز المظلوم!! والأمر أشد تعاسة عندما يمس أميرا كان ذا شأن وسلطة ونفوذ لا حد له..
ودخل الأمير قصره . . . السيوف الأثرية تتدلى في عناء ، والبنادق الفارعة فوق الجدران كجثث الشياه المتعفنة ، وتاريخ أجداده نائم في أحضان الصفحات المتراصة التي غلفها الغبار . .. همست زوجته: ما بك؟؟ رفع إليها عينين مبللتين بالدموع وقال: إنني أنتظر أمر الله... لم تفهم شيئا، وقالت: أهناك ما يكربك؟ إنني لا أتوسم في هؤلاء الصينيين أي خير إنهم لا يعرفون الرحمة. صدقت.. القائد يريد أن يتزوج ابنتي.. ثم صاح كمجنون: تعالي يا بنيتي...أي فتاتي.. ثم مسح دمعة أفلتت من بين أهدابه: أميرتي الغالية...الدب الأحمق يريد أن يتزوجك..هذا مستحيل..أتوافقين؟؟ قالت الأميرة الصغيرة وعيناها تدوران في قلق ممتزج بالدهشة: ما معنى ذلك يا أبي؟ ضحك الأمير التركستاني ووجهه محتقن كالم نفسه: هناك أشياء كثيرة الآن لا معنى لها..الحياة نفسها لا معنى لها.. لكنني أريده يا أبي.. هو يريدك.. عليه اللعنة.. اللعنة تصيب المهزوم دائما.. في أي شريعة أو دين يفرض على الفتاة أن تتزوج برغم إرادتها.. العلاقة يا فتاتي بين الغالب والمغلوب لا تلتفت للمبادئ أو الإرادة الحرة.. ثم تلفت الأمير الحائر حواليه ، شعر أن الجو حواليه خانق ، يكاد يزهق أنفاسه ، كان يعبث بالفرش إلى جواره في عصبية بالغة : أتوافقين ؟ " الموت ولا هذا ! " لماذا ؟ " أمر الله فوق أمر الصينيين! " وقف ، ثم احتضن الأميرة الصغيرة ، عيونها الجميلة توحي بالحيرة القاتلة وجهها النضر كالوردة ينطق بالرعب ، ثم شهقت باكية : لا أتصور يا أبي . . . لا أتصور أن تساق فتاة هكذا . . . السير إلى ساحة الإعدام أسهل بكثير . . " جفف الأمير أهداب ابنته ، وربّت على شعرها الناعم الأشقر ، ثم لامس خذيها الورديتين في حنان ، ثم وقف ودق الأرض بقدمه صارخاً : لن يكون . . . " قالت الزوجة بنبرات مرتعشة: يجب أن نتدبر الأمر بحكمة.. أعرف أن لن يرضى الهزيمة.. وسيتخذ إجراءات مشددة بالتأكيد..أنت تعرف القادة الصينيين جيدا.. آخر مدى يصل إليه ما هو؟؟ حياتي؟؟ طأطأت زوجته رأسها في حزن.. ونادى الأمير التركستاني قائلا: مصطفى مراد حضرت. أمر مولاي.. ودخلت عليه دون أن أرفع نظراتي إلى وجهه. مصطفى..لتحضر أوراقا ومحبرة وقلما.. وجلس أميرنا يسجل رسالة قصيرة للقائد الصيني جاء فيها: "...إن الأمر أيها القائد المنتصر يخرج عن دائرة تصرفي لأن ديننا يمنع ذلك، ومن جانب آخر فإن ابنتي لا تفكر في الزواج، ومن ثم تراني خاضعا لاعتبارات عقائدية وإنسانية، وأن الصين العريقة لا تقبل أن تهمل تقاليد جيرانها، أو تتنكر لعقائدهم أو تهزأ من مشاعرهم... وليست هذه القضية تتعلق بكبرياء الصين أو جيشها المتتصر، إنها أمر ثانوي لا ينعكس عليها بالضرر بعد أن دانت لها البلاد، وامتلكت مصائرها السياسية والمادية.. وصدقني فإن أمرا كهذا قد تكون له عواقب وخيمة، تضر بالعلاقة التاريخية بين الشعبين: الصيني والتركستاني.. ولو أمعنا التفكير معا في آثار هذا القانون الذي يرغم التركستانيات المسلمات عل الزواج من الصينيين، لوجدناها بالغة الخطورة، ولا أعني بذلك التهديد، وإنما أقصد مصلحة الأصدقاء واستتباب الأمن في البلاد، وإني لأستحلفك بكل عظيم ومقدس أن تعيد النظر في هذا الأمر.. لعل جوانبها جميعها تتضح لديك..مع أطيب تحياتي واحترامي.." ((أمير قومول)) وسرت الأنباء في المدينة مسرى النار في الهشيم، وتخطّت حواجز القصر المنيف، وتهامست بها النسوة في المنازل، وتلقتها الرجال في قلق وغيظ بالغين. . إن احتلال الأرض لفترة ما قد يكون أمرا يسهل الانتظار عليه حتى تحين الفرصة للخلاص، لكن الدخول في أخص خصوصيات الناس هكذا والعبث بشرفهم ومعتقداتهم أمر آخر يحمل في طياته أشد أنواع الخطورة .. وعندما قرأ القائد الصيني رسالة الأمير التركستاني وكنت أنا الذي حملتها إليه، كورها في يده ، ثم رمى بها ، وبصق عليها .. .ثم اتجه صوبي قائلاً قل لأميرك : إنه يعبث كما يعبث الصبية . . هذه قوانين (صن يان صن ) أبو الصين الأعظم . . ولن تستطيع قوّة في الأرض أن تبطل قوانينه " وأٌخذ مولاي الأمير في نفس الليلة إلى السجن . . ليلتها بكت المدينة كما بكت بالأمس على شهداء المعركة ، وليلتها أدرك الناس أن الغزو الصيني يحمل في طياته خطراً آخر غير خطر غزو الأرض . . وليلتها لم يستطع النوم في قومول أن يستولي على جفون الرجال والعذارى، وشر البلية ما يضحك أن كل فتاة تحاول جاهدة أن تبحث لها عن رجل مسلم يتزوجها قبل أن تساق إلى غاز من الغزاة الصينيين أو مهاجر من مهاجريهم.. أنا لي قصة ظريفة.. كنت قد أحببت فتاة تخدم في القصر منذ عام.. كانت تتمنع علي وترفض الزواج، وتطمع في رجل أعلى مركزا مني.. أنا مجرد حارس في القصر.. والقصر يدخله علية القوم.. وعدما سيق الأمير إلى السجن أتت إلي مهرولة والدموع تغرق وجهها: مصطفى.. ها أنا ذا بين يديك. كنت مغتما لمصير الأمير التعس وأشعر بعزوف عن الدنيا وما فيها. صرخت في حدة في وجه الوصيفة. إليك عني يا نجمة الليل. ربما أكون قد أسأت إليك.. لكنني أحبك.. صورة الأمير السجين تملأ خيالي ، من الصعب أن تتصور الأعزة الكبار يرسفون في الأغلال ، ويساقون كما يساق العبيد ، يا إلهي ، إنه مشهد لا يمكن أن ينسى مدى الحياة ، ومع ذلك فقد كان الأمير يمضي بين الزبانية الصينيين مرفوع الرأس ، يشمخ بأنفه في كبرياء ، كان في صمته ثورة ، وفي استسلامه عاصفة ، وفي نظراته الشاردة نداء دمويٌّ رهيب. قالت حبيبتي القديمة: لم لا ترد يا مصطفى حضرت؟؟ ماذا تنتظر؟ سوف تندم حتى آخر حياتك إذا ما جاء صيني لئيم وضمني إليه.. قلت وكأني أثأر لكبريائي الجريح: أنا أرفض الزواج الاضطراري.. أيها الأبله، إن فيه تحقيقا لآمالك، وإنقاذا لي، وحماية لعرضنا وديننا... التفت إليها، وقد بدت الدموع في عينيها، وصاحت: لا تبك.. لقد أصبحت أكره النظر إلى وجوه الناس.. الدموع في كل مكان.. هذه حياة لا تطاق.. اعلمي جيدا أنني لن أتزوج إلا إذا خرج الأمير من سجنه.. اقتربت مني هامسة: أيها المجنون.. انتهى عصر الأمير.. فلا تربط مصيرك بعالم يزول، ومجد ذاهب.. أمسكت بذراعها ودفعتها في عنف قائلا: هذه خيانة يا نجمة.. أنت مخطئ يا مصطفى.. فأنا أحب الأمير وأسرته كما أحب روحي.. لكن لا معنى لأن تنتظر حتى تفوت الفرصة .. إن ذلك لا يرضي الأمير ذاته.. وتركتها دون أن أبت في الأمر، كان جو الحزن يخيم على قصر الأمير، وكانت زوجته تروح وتجئ كالمجنونة، تنتقل في جنبات القصر الفسيح على غير هدى لا تأكل ولا تشرب، وأولاده وبناته وأقاربه قابعون تلفهم الكآبة، أما ابنته الأميرة الصغيرة، فقد وقفت في صالة القصر المفروشة بالسجاد الثمين وقالت: ماذا لو تزوجته وقتلته؟؟ لم يلتفت لحديثها احد، لكنها أخذت تلف وتدور، وترغي وتزبد حول هذه الفكرة، غير أن أمها ربتت على كتفها في النهاية، وكانت امرأة عاقلة، وقالت لها: الأمر أكبر من ذلك بكثير.. في اليوم التالي كانت الشوارع في قومول تضج بمآسي يقشعر لها البدن، وتشيب لهولها الرؤوس، فالشرطة يجرون الفتيات جرا كي يرغمونهن على الزواج من الجنود والمهاجرين والآباء التركستانيين الرافضين تشوي السياط أبدانهم، ويضربون بكعوب البنادق، ويركلون بالأقدام في ازدراء ومهانة، وكثير من الأسر والبيوتات العريقة تهرب إلى خارج المدينة، إذا ما جاء الليل، وتأوي إلى الجبال أو تنطلق إلى الصحارى العريضة. ومرت أيام كلها آلام وأحزان، وكان في مدينتنا رجل شهير يقال له (خوجة نياز حاجي)، وهو من رجال الفكر والدين والوطنية، معروف بشجاعته وصدق بلائه، وكان الرجال في قومول يذهبون إليه حائرين مستفسرين.. فكان يقول: أدوات النصر أنتم تعرفونها... الصبر والصمود...الجهاد حتى الموت... لا جديد بعد كلمات محمد... انظروا... لا يفل الحديد إلا الحديد.. كل ما أعرفه أن أقواما بلا شرف.. هم موتى وإن كانوا يأكلون ويشربون ويتنفسون ... لا تستنكروا تصرفات العدو وحده، ولكن ابكوا على تهاونكم واستنكروا استسلامكم ...أتفهمون؟". لكن موجة الطغيان تمتد وتنداح... وأصواط الاستغاثة تعلو.. والسياط تعلو وتهبط وتمزق الأجساد العارية، والنسوة يسقن إلى الجند الغزاة.. والرجال يشعرون بالخجل والضعة والهوان، والجنود يقهقهون ويمرحون ويتحسسون أجساد النساء في نشوة ولذة، وكأنما يفحصون ماشية معروضة للبيع.. والقومول تغلي كالمرجل، ولا تجد متنفسا لحقدها المكبوت، وأميرها يعاني الوحدة والعزاب في السجن.. وأنا العبد الضعيف (مصطفى مراد حضرت) ماذا أستطيع أن أفعل؟؟ قال لي (خوجة نياز |
|
|
|
|
#2 |
|
|
حاجي) زعيم بلدنا الهمام :
يا مصطفى . . اذهب إلى أميرك في السجن . . وقل له : يجب أن يبحث عن مخرج. (2) الحق في الدنيا لا يكاد يختلف عليه اثنان لكن انغماس النفوس في الهوى قد يخلق من الباطل حقا ومن الحق باطلا. وأنا إنسان رقيق المشاعر برغم أني أحد رجال الحرس في القصر، أدنى إساأة تملأ كياني بالغضب، والسخرية مني تحيلني إلى طوفان من النقمة، حتى الوصيفة الساذجة التي أحبتني بالأمس، كانت تسخر مني، كنت أحبها من كل قلبي ، الظروف الطارئة جعلتها تغير رأيها، والتي تغير رأيها هل تغير مشاعرها أيضا؟؟ صدقني.. أنا لا أعرف، فقد كانت الدنيا هائجة مائجة، قومول ليس فيها شيء على حاله، الصينيون يرون الزواج من بناتنا حقا لا غبار عليه، وحجتهم ساذجة وبسيطة، ألا وهي أن الناس جميعا إخوة، وأنهم منتصرون، ويرون من الرحمة أن يأخذون نساءنا في ظل القانون بدلا من أن يأخذوهم كسبايا وغنائم، والأمر من وجهة نظرنا نحن التركستانيين ظلم فادح، وإذا لم يكن الصينيون يريدون أن يحتكموا لكلمات الله فلا مناص من الحرب.. أعني لا بد أن نساق إلى الموت. فالحرب انتهت بهزيمتنا.. وبرغم الحصار الشديد الذي أقامه القائد الصيني حول الأمير، إلا أنه كان يسمح لبعض رجاله بزيارته لعلهم يجدون الفرصة فيقنع ويزوج ابنته الأميرة من القائد، وكان الأمير معتكفا في سجنه يصلي ويفكر، آلمه أن يتنكر له الزمان، ويتحول من قصر إلى سجن، ومن آمر إلى مأمور، وممن يتلقى أوامره؟ من رجل كافر لا يؤمن بالله ولا برسوله، واسألني أنا عن أحزان الملوك المنهزمين.. إنهم لا يبكون إلا لماما.. لكنهم يحبسون آلامهم في قلوبهم فتثور وتهدر كطوفان ناري لا يرحم.. ذهبت إليه حائرا وقرائصي ترتعد كلها.. قال ما الذي أتى بك يا مصطفى حضرت قلت نحن بدونك لا نساوي شيئا.. قال أنتم رجال وتلك حكمة الله.. قلت والرجال يريدونك يا مولاي كيف؟؟ ونطر إلي باستغراب ودهشة فأجبت: قالها لي (خوجة نياز حاجي). ماذا قال؟..الأمير يجب أن يخرج إلينا..ضحك الأمير ، وشد عوده الفارع ، وتطلع إلى الآفاق بعيني صقر جريح ، وهتف والحنق يأخذ بتلابيبه لست أملك مفاتيح السجن " !للسجن جدران يا مولاي ضحك الأمير في عصبية :وكيف أحطمها وحدي يقول لك ( خوجة نياز ) . . إن لم تكن تملك المفاتيح التي تفتح بها السجن ، ولا السواعد التي تهدمه . . فإن لك عقلاً يستطيع أن يحملك على جناحيه إلى الخارج . . " صمت الأمير برهة، ثم التفت إلى وقال:حسنا .. اذهب إلى خوجة نياز وقل له إن الأمير قادم غدا.. عودني الأمير الصدق في القول، ما خدعني قط، لهذا هرولت إلى الخارج، وحملت رسالته إلى خوجة نياز، كان خوجة نياز يجلس خارج المدينة بين عدد من الرجال يتكلمون ويصلون ويقرؤون وطربوا لسماعهم الأنباء التي حملتها إليهم، أما خوجة نياز فقد بدا الاهتمام على وجهه، وتأرجحت عيناه في قلق، ورفع يديه إلى السماء وغمغم:اللهم غفرانك.. اللهم نصرك.. وعاد يحدث الرجال عن تجاربه في الحياة، وكان يقول لنا أن الأمور الخطيرة والأحداث الكبرى لا يمكن أن تحل بالتجزئة..وهي في نفس الوقت لا تقبل الحل الوسط، والمنتصر لا يعطس المهزوم شيئا أصيلا أبدا، إنه يعطيه الفتات والنفايات.. وشعبنا المسكين- شعب تركستان-محصور، تحبطنا الحراب المسمومة.. والمدافع.. والنيران.. والتحريض قادم من بعيد.. أنا أعرف دعاة الصليبية في العالم، إنهم ينتهزون فرصة ضعفنا وهواننا ويحتشدون حولنا.. ويثيرون نعرات شعوبية وإقليمية.. إنهم يريدون أي شيء على ألا نكون مسلمين.. هل تفهمون؟؟. ولهذا فهم يجردون الجيوش والشرطة لإرغام فتياتنا على الزواج منهم.. ليس لديهم أزمة في النساء.. لكنهم يريدون القضاء على القيم والمبادئ.. هي وحدها التي حفظت استقلالنا وحريتنا عبر السنين الطويلة |
|
|
|
|
#3 |
|
|
كان الأمير السجين يعلم أن نهايته الموت، ونحن ننطق كلمة الموت هكذا ببساطة، أو نكتبها على الورق دون أن تثير في نفوسنا مضاعفاتها المرعبة المدمرة، أميرنا يقف على أعتاب الموت... ليس هذا أمرا هينا.. وعندما يموت الإنسان يترك أحلاما جميلة لم تكتمل.. يودع ربيعا نابضا بالحب لم يذبل بعد، وعندما يموت الإنسان ينظر إلى عيني طفله الصغير اللاهي ويقرأ في العينين الصغيرتين أحلى قصيدة شعر، وينظر إلى النسوة والرجال الذين أحبهم .. ثم يتصور أنه بعد ذلك سوف يأوي إلى حفرة نائية مظلمة لا حس فيها ولا خبر.. ويطول به المقام فيها ربما لآلاف السنين.. ينام عاجزا في قبره.. والأحداث التي تهز العالم تضطرم حوله دون أن يستطيع المشاركة في شيء.. ويضحك الأطفال وتبتسم الغيد الحسان وتخضر الأرض، وتورق الحدائق، ويجوس الطغاة خلال الديار ويعبثون وينهبون ويرغمون المسلمات على الزواج.. وهو ..هو الأمير.. تحت التراب يرقد عاجزا كقطعة من خشب متعفن.. أليس الموت رهيبا..؟؟ وكتب أمير القومول السجين رسالة عاجلة إلى القائد الصيني يعتذر له فيها عل ما بدر منه من جفاء، ويعده بالنظر في الأمر من جديد بطريقة فيها النجاة والفائدة، وطلب منه أن يسمح بلقائه.. ابتسم القائد الصيني وأغمض عينيه برهة، كان يفكر في الأميرة الجميلة وليلة الزفاف الكبرى، والمتع التي سوف يجنيها .. وخيل للقائد آنذاك أن كل شيء تحت تصرفه، وليس في الإمكان أن يستعصي عليه أحد، وهو شعور ينتاب المنتصر القوي دائما، ولو للحظات قصار، وفي هذه اللحظة ينظر إلى البشرية بعين الرثاء والعطف.. عطف القادر المتعالي المتغطرس.. وقال القائد: أحضروا الأمير إلى المجلس لنرى ماذا يريد. سر أيها الأمير المسكين ولا تحزن، فلن يضيرك أن تكون في يدك الأغلال، أو يحيط بك كوكبة من الصينيين الأجلاف الذين يتطاولون في البنيان ويشمخون بأنوفهم الصفراء... سر يا أمير قومول وأغمض عينيك حتىلا ترى مظاهر الاستخفاف والعنهجية، وامض في طريقك حذرا، وسد أذنيك عن الكلمات السخيفة، وغض بصرك عن الملامح الشامتة والنظرات التي تنبض بالحماقة والتشفي. عم صباحا أيها القائد. مرحبا بك يا أمير. وجلس الأمير خافض الرأس، وظل الأمر هكذا حتى أمر لاقائد أغلب رجاله بالانصراف، وما أن خلا الجو حتى مال الأمير التركستاني على القائد هامسا: إن أمرا كهذا لا يحله العنف. قال القائد: لم أجد وسيلة أخرى بعد أن أمهلتكم.. وأنت نفسك رفضت زواجي من الأميرة.. نستطيع أيها القائد "الصديق" أن نعالج الأمر برفق.. كيف؟؟ عندي فكرة.. ما هي؟؟ وطرح الأمير أمام القائد فكرته، وهي أن تتركز في أن يطلق سراح الأمير، حتى يتمكن من الاجتماع بعلماء الشريعة، ويناقش الأمر معهم، لعله يستطيع الحصول منهم على "فتوى" دينية تبيح مثل هذا الزواج، وتلتمس له الأدلة في بطون الكتب القديمة، فإذا ما وفق الأمير لإخراج مثل هذه الفتوى الممهورة بتوقيع الفقهاء، حل الإشكال، وساد الهدوء ونعم الجميع بالأفراح والسعادة.. ابتسم القائد الصيني وعبث بشاربه وتمتم: أرى أننا نقترب أكثر فأكثر.. والشقة تضيق بيننا.. وصدقني إنني قادر على أن أبقيك على كرسي الإمارة..إن لي كلمة مسموعة لدى القيادة..وأخذ القائد يقهقه بصورة أدهشت الأمير الذي قال:لا أشك أنك سعيد أيها القائد.كل السعادة يا أمير.. كلما تصورت أن الأميرة بين ذراعي.. وأنني سأنجب منها أطفالا غاية في الروعة والجمال.. أكاد أجن من الفرح.. سوف نصبح أسرة واحدة سعيدة.. ولن يكون هناك غالب أو مغلوب.. هذه الفلسفة الحمقاء التي تتوارى تحت ستار الإنسانية والأخوة، أشد ما أمقتها.. ابنتي بين ذراعيه يا للمهزلة!! إنني أشعر بالتقزز والغثيان، فما بال المسكينة إذا وقعت بين براثن هذا الحيوان، وانسكب في سمعها الرقيق غزله السمج.. ابنتي تجالس هذا الوحش؟؟ كيف؟؟ أعرف أن الإنسان ليس شحما ولا دما ولا لونا فحسب.. إنه الفكرة والمعتقد.. الأشياء العظيمة التي يؤمن بها الإنسان هي التي تجعلني أنظر إليه وأقيمه فأحبه أو أكرهه، والفكر يعطي كومة اللحم والعظم معنى وتقبلا وشفافية.. الفكر يغطي الهيكل.. يكسبه ثيابا.. يجعله يبتسم ابتسامته المقبولة، ويتحدث حديثه المحبوب، يجعله إنسانا..!!!!!!!!! |
|
|
|
|
#4 |
|
|
وغمغم القائد: أتعتقد يا أمير أن هناك فرقا بين الصيني والتركستاني؟؟. بكل تأكيد. التفت القائد إلى الأمير في دهشة وقال: ماذا؟؟ الصيني انتصر.. قهقه القائد ثم قال: هذا أمر معروف،نحن ننتصر دائما..إنه أمر يمتد إلى سحيق تاريخنا. فرد الأمير قائلا: منذ حرب الأفيون وقبلها. شحب وجه القائد، ثم استدرك: لم يستطع التفوق الاستعماري أن يمحو شخصيتنا.. وسادت فترة صمت، قال القائد الصيني بعدها: يقول العلماء أننا شعب ذو صفات غالبة.. كيف؟؟ واستدار القائد صوب الأمير وأخذ يشرح له باهتمام كيف أن علماء الوراثة أثبتوا أن الصيني إذا تزوج أوروبية مثلا، فإن الأبناء يحملون الصفات الصينية، وذلك بسبب قوة الجينات التي توجد في الخلايا.. رد الأمير في دهشة: وما هي الجينات؟؟ لا أعرف أيها الأمير.. هكذا يقولون.. يا إلهي.. لماذا كنتم تبيعون بناتكم وأطفالكم.. هذا كان .. أيام الشقاء والفقر.. لا تذكرني بهذه الأيام الحزينة.. واكفهر وجه القائد الصيني فجأة، وبدت نذر الثورة على وجهه الأصفر، وهب واقفا، ثم خطا خطوات داخل قبو صغير، وعاد في يده زجاجة من الخمر الرديء، وأخذ يجرع منها في عصبية، وتحامل على نفسه، وأخذ يقول والغيظ يخالط نبراته: بحثت سنوات عنها.. أختي.. هل فقدت في حرب.. اختطفها البعض في حرب الأفيون.. لا تصدق ما يزعم بعض الحمقى يقولون أن أمي باعتها حتى تطعمنا.. هذا كذب..كذب..كذب.. وهب الأمير واقفا وقال: لا تجزع أيها القائد.. ولسوف أعود إليك بالأنباء التي تسرك بعد أن ألتقي بعلماء الشريعة.. أتسمح لي بالانصراف؟؟ عادت الإشراقة إلى وجه القائد الصيني، وقذف بالكأس يمينا.. تستطيع أن تنطلق حرا يا أمير قومول.. ولسوف نشرب كثيرا ليلة الزفاف.. وسنرقص ونغني ونضاجع النساء.. ولنرى أن الأجناس لها الصفات الغالبة.. في الشرق والغرب حاربت.. وكنت الغالب دائما.. الموت أمر هين.. لم أفكر فيه ولهذا لا أخافه، تعرضت له ألف مرة ومرة.. وها أنا أحارب وأنتصر.. وأحكم قومول.. سعادتي كلها في أن أنتصر.. لا أنظر لشيء وراء ذلك يا أمير.. أنتم تفكرون كثيرا في الجنة والنار.. لأنها حقيقة أيها القائد. كيف؟؟ أنت تمسك الآن بالكأس المملوءة. نعم. فأين النشوة التي تحدثها الكأس؟ النشوة؟؟ نعم، أين النشوة أيها القائد؟؟ هذه ليست مادة.. لم أقرأ عنها شيئا في كتبي المفضلة.. لم يتحدثوا عن النشوة؛ لأنها ليست مادة.. لكنك تشعر بها.. نعم.. ولولاها لما شربت الخمر.. هي موجودة. بالتأكيد يا أمير.. أريد أن ألمسها.. لا أنا ولا أنت نستطيع لمسها.. غمغم الأمير. والنشوة العظمى أيها القائد في جنة الله، وأنا أستشعرها بلا كأس.. (3) ولقد عاد أميرنا بوجه غير الوجه الذي ذهب به، لم أعد أرى في وجهه عيني ملك، إنه يلبس أفخر الثياب، ويحوطه الحرس وجوقة الشرف من كل جانب، وأبواب القصر مفتوحة على مصارعها، وأردية الحشم والخدم المزركشة تخلب اللب، لكن مولاي.. يا إلهي كسير النفس... مال نحوي هامسا: يا مصطفى .. ما معنى أن تكون أميرا؟؟ لم أفهم لسؤاله معنى، ارتبكت، ولم يستطع لساني أن يتحرك، هتف بصوت متوتر كالفحيح: قلها يا أحمق.. تلعثمت وغمغمت:أن تطاع.. أن تكون حولك هذه الأبهة كلها.. قهقه في مرارة، ثم قال: الأمير هو الحر الذي يرضى عن نفسه.. ولما لم أعلق استطرد آسفا: أين هي الحرية إذا؟؟ ثم كيف أرضى عن نفسي وأنا أرى العدو يعبث في الأرض بالفساد، ويحاول أن يمرغ شرفنا في التراب..يا مصطفى..ديننا هو شرفنا..ثم أشار بيده إلى التلال البعيدة التي لا أكاد أدركها لبعد الشقة بيني وبينها وقالهناك على التلال يعيش فئة من الرعاة الأبطال ، لم يستطع العدوان أن يقهرهم ، ولم يتزوج نساءهم ، بالقوة . . هؤلاء يشربون ألبان الماعز ، ويغزلون الصوف ، ويعبدون الله الواحد الأحد ، لا يخافون أحداً إلاّ الله . . . . أتدري ؟ هؤلاء هم الملوك غير متوجين . . . ما أشد حنيني إليهم يا مصطفى . . . " قلت في ثقة:هؤلاء الذين تتحدث عنهم هم رعاياك يا مولاي. ليس للعبيد رعايا يا مصطفى.. العبيد لا يعرفون غير القيود والذل.. ودخل مولاي القصر حزينا مكتئبا، واحتشد حوله أهل بيته، ثم توافد عليه العلماء وعلية القوم من كل جانب، وفي المساء عقدت الجلسة التاريخية التي لا تنسى، وبينهم خوجة نياز حاجي، وكان الرجال العظماء يجلسون منكسي الرؤوس يعلوهم الكدر والعناء، وقال مولاي الأمير: |
|
|
|
|
#5 |
|
|
أيها الرجال يجب أن نعود من حيث أتينا. كيف؟؟ هذا ما تساءل به خوجة نياز. رد الأمير:أن نخلع رداء الأمراء والعظمة وأن نعود رعاة إبل وشياه.. ثم نبدأ من جديد المعركة.. فإن متنا كان هذا غاية الشرف، وإن انتصرنا وبقينا.. استطعنا ان نقول للناس ونحن أمراء.. المنهزم ليس أميرا.. ولا يصح أن يحكم.. إن حكم المنهزمين يجعلني أسخر من نفسي.. أنا أمير ويأمرني قائد صيني.. أليس هذا عين الخيبة والفشل؟؟.. أما نياز حاجي، فقد حاول أن يبدد الغيوم التي ذرت الكآبة في أفق القصر، وهتف بأعلى صوته: - " أيها الأمير . . . أيها السادة . . . يجب أن نوافق القائد الصيني على فكرته " هاج الحاضرون ، وماجوا ، وبدا عليهم الاشمئزاز والمعارضة الشديدة ، غير أن الأمير ابتسم وقال في هدوء : - " وأنا أوافق خوخة نياز . . . وسيكون العرس في قصري ، وسيتزوج القائد الصيني ابنتي الغالية . . . سوف نفدي بذلك شعب قومول ، وننجيه من مذبحة لا تبقي ولا تذر . . . " وصرخ أحد العلماء قائلاً : - " الله . . . " ورد الأمير : - " الله معنا . . ولن يخذلنا . . " وعاد العالم يقول : - " وكيف يكون معنا ونحن ندوس شريعته ؟ . . " وسادت همهمات وغمغمات، وأخذ الجالسون يتناقشون بصوت خفيض، وينكبّون على الأمير، ثم يذهبون إلى خوجة نياز، ولا تكاد ترى إلاّ شفاههم تتحرك، وأيديهم تشير، وعيونهم تتأرجح في حيرة وحذر. وحملت في اليوم التالي رسالة إلى القائد الصيني مكتوبا فيها أن الأمير قد وافق على زواج ابنته من القائد، وأن العرس سيقام في قصر "قومول" الشهير الذي يسكنه الأمير، وأن الدعوة موجهة لكل العظام من الضباط وأكابر الصين، وكاد القائد الصيني يجن من شدة الفرح، لقد سقط الاعتراض الديني وسادت قومول موجة من الغضب والسخط ضد الأمير والعلماء المسلمين هذه المرة، وأخذت جموع الثائرين تتحرك في مجموعات صغيرة تعلن رفضها لفتوى العلماء، واستسلام الأمير، وحاول بعض الثائرين أن يقذف قصر الأمير بالأحجار، ولقد هم جيش الاحتلال باستخدام العنف للقضاء على هذه الظاهرة مخافة أن يتسع التمرد، وتندلع الثورة، لكن شروط أميرنا كانت تؤكد للقائد الصيني ألا يتعرض لأحد من المتمردين بسوء حتى ينتهي الأمر بسلام، ويستسلم الناس للأمر الواقع، ثم انقض المجتمعون في القصر على الموعد.. ولف قومول ليل أسود ثقيل، شديد الوطأة على نفوس الرجال الشرفاء، وكاد يحدث في القصر في تلك الليلة حادث له العجب، إذ أتت الأميرة إلى أبيها قائلة:لن أتزوجه يا أبي . . . كيف أطيعك وأعصي الله . . الله أعز مني ومنك .والله يريد ذلك يا ابنتي " لا يريد الله إلاّ الخير " لعل فيما ارتأيناه الخير كل الخير وقالت الأميرة وهي تنتحب : ربّت على شعرها الذهبي وقال كيف ترحلين وسط الذئاب ؟ " تسللت إلى الداخل وسمع لبكائها صوت يمزق نياط القلوب، كانت قد أغلقت على نفسها حجرة صغيرة، وأبت أن تستجيب للإلحاح أمها كي تفتح لها الباب، ونظرت أمها من ثقب بالباب، فرأت فتاتها تمسك بخنجر، وترفع وجهها إلى السماء وكأنها تصلي وتدعو الله أن يغفر لها، فلم تضيع الأم وقتا، بل هرولت إلى الأمير وأخبرته بكل شيء، وبحركة بارعة وسريعة فتح باب الغرفة وأمسك بالأميرة قبل أن تغيب الخنجر في صدرها... |
|
|
|
|
#6 |
|
|
وجاء موكب القائد الصيني ، تصحبه الموسيقى العسكرية ، واللاعبون بالنار ، وبعض الرقصات الشعبية الصينية . وفقراء قومول يبتعدون ويبتعدون عن قلب المدينة . . . يسجدون لله تحت الأشجار خفية ، أو يرتلون الأدعيات على شواطئ الغدران . . ! وبعض المتصوفة يغرقون لحاهم بالدموع في الأضرحة القديمة، وفي المساجد العتيقة التي لم ازل شموعها ومصابيحها مطفاة أدهشني أن أرى قصر الأمير في أوج تألقه واستعداده، وللأمير فرقة خاصة من رجال الجبال يدعوهم دائما في المناسبات الهامة لكي يكملوا الموكب الملوكي ويزيدوا من رونقه وبهائه-كما يبدو- فقد كان أميرنا خائفا من أن يندس أحد المعارضين، ويرتكب حماقة تقلب الأفراح إلى كارثة محققة، ولهذا فقد وزع رجال الجبل في كل مكان داخل القصر وخارجه، وأعطاهم الأوامر المشددة بألا يسمحوا لأحد بالدخول أو الخروج وأن يراعى الدقة في الحركة والنظام... وشرب القائد الصيني نخب الصداقة العريقة بين الشعب الصيني والشعب التركستاني ، وظل يشرب حتى كاد أن يترنح ثملاً وأخذ يقول: عندما نتحرر من التقاليد القديمة وسطوتها..نشعر أننا أصبحنا رجالا عصريين.. الرجل العصري إله بنفسه، لا تحكمه سماء، ولا تخيفه قوة مجهولة.. كانت أمي تقول لي: لا تفعل هذا الشيء؛ لأن ذلك لا يرضي الرب، فكنت أصرخ في وجهها قائلا: أين هذا الرب؟ فكانت المسكينة تدمع.. وتشير بيدها إلى السماء.. إلى أحد الجهات الأربع أو إلى تمثال قمئ.. فكنت أقهقه وأفعل ما يحلو لي، وهي تنظر إلى في دهشة، وكأني قد ارتكبت جرما كبيرا.. ها.. ها.. ها...مات بعد أن سرقت أختي.. وكانت تضم تمثالا صغيرا إلى صدرها.. هيه.. وبعد أن ماتت سطوت على كل ما عندنا من تماثيل وبعتها بكمية قليلة من القمح.. ها.. ها أيها الأصدقاء التركستانيون.. فلنشرب نخب القضاء على كل المبادئ القديمة العفنة.. فالمجد لنا نحن.. للإنسان. تململ خوخة نياز، واحتقن وجه أحد العلماء ، وأصيب أحد الرجال بالصرع فحملناه خارجا ، وسمعنا صوتاً في جنبات القصر يدوّي " الله أكبر . . الله أكبر . . " قالها أربع مرات ، وفي وقت قصير لمعت السيوف وانطلقت البنادق القديمة ، واندلعت المعركة التي أشعلها رجال الجبل الذين أخذوا يتوافدون من كل ناحية ، ومن الدور الأعلى ، ومن باطن الأرض ، ومن فوق أسوار القصر، وفي وقت قصير كان القائد الصيني ومن حوله من الضباط العظام والرجال الكبار جثثا متناثرة في أروقة القصر، لقد تم القضاء على كل الرجال الصينيين، وساد الذعر جنبات قومول، وخرج الأهالي عن بكرة أبيهم يفتكون بالصينيين، ويستردون بناتهم التعسات ويحررون الأسرى والمأسورين في السجون ودور الشرطة.. من بقي من الصينيين كان يفر هاربا، أو يتوسل ضارعا، أو يسجد على الأرض طالبا العفو، معلنا إسلامه وإيمانه بالله.. ووقف الأمير وسط الساحة ينظر إلى المشهد الدموي وإلى جوار ابنته وقال وهو يضمها إلى جسده في حب رائع: أستطيع أن أقول الآن أنني أمير قومول.. قالت الأميرة في مرارة: لكنهم لن يتركونا.. ضحك الأمير: سأظل أميرا طول حياتي.. أعني لن ألقي السلاح، ولن أقبل الهزيمة مرة أخرى.. فإذا فشلنا سأمضي في طريق الجهاد حتى الموت.. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنني أن أعيش بها أميرا وأموت بها أميرا.. وألقى الله مسلما.. |
|
|
|
|
#7 |
|
|
(4) امتد النور إلى جميع الأنحاء، وخفقت أعلام النصر في أنحاء قومول، وتناقلت المقاطعات المجاورة أنباء "الانتقام المشروع" الذي حمل لواءه أميرنا ومعه قائدنا الفعلي خوجة نياز حاجي، وعلى الرغم من أنني شخصيا قد شاركت بعنف في موجة الثأر لديني ووطني إلا أنني كنت أشعر أن المعركة الساخنة لم تبدأ بعد، فالصينيون لن يتركوا الأمر يمر دون يصبغوا أرضنا الخضراء بدماء العقاب الوحشي... ووجدتني أفكر في الموت والحياة... إذا كان لكل شيء نهاية فلم نخاف من لقاء الله؟! وإذا كان مصير الشهداء هو الجنة فلماذا نحجم عن اقتحام حقول الموت في شجاعة؟ كان علماؤنا في المساجد يحدثوننا أننا خير أمة أخرجت للناس، وكنت أنظر إلى تحكم الصينيين فينا، فأشعر أنا قد أصبحنا أمة مهانة، يؤرقها الذل، وثقل خطاها القيد الذميم، ويمحق كرامتها وإنسانيتها قوم لا يؤمنون بالله...ها أنا قدمة إليك. ما الذي أتى بك يا نجمة الليل؟ أنت روحي وحياتي، رأيتك تضرب بسيفك يمينا ويسارا وتجادل الأبطال فذبت شوقا إليك. يا نجمة الليل ابحثي لك عن رجل آخر. أنت الذي أبحث عنه يا مصطفى.. وتطلعت إلى الليل الضارب، وما يخفق به من أسرار وذكريات وغمغمت: الليل يا نجمة يحمل أسرارا مهولة... هذا ليل المحبين الجميل.. اقتربت من، وأمسكت بيدي الباردة وهمست:وراءنا بستان القصر تفوح في جنباته الروائح الزكية.. كنت أفكر بالأمس في الزواج، لأني لم أكن أجد عملا ذا قيمة أعمله.. واليوم يا مصطفى حضرت؟ أفراح الروح معلقة بالسماء.. بالجهاد الأعظم.. هذا لا يمنع أن تضمني إليك.. نستطيع أن نحارب وأن ننجب الأطفال.. يا نجمة الليل ليس الليلة معدنا.. متى إذن؟؟ شيء يعلمه الله... واجهتني بصراحة مؤلمة وقالت في غيظ: من أنتم؟ أتعتقدون أنكم قادرون على هزيمة ملايين الصينيين؟ دعنا نتزوج ونرحل عن هذه البلاد.. ضحكت في مرارة، أنا أعتصر كفها الصغير في غيظ: أين البلاد التي يحلو لنا فيها المقام؟ الوباء قادم من الشرق، والموت يزحف من الغرب ونحن حيرى.. لا حياة لنا ولا موت إلا هنا.. أنت تعيش بقلب ميت قبل أن يحين الموت. أنا أحيا متفرغا للمعركة.. والحرب يا مصطفى لا توقف أي شيء.. انظر.. الأزهار تنمو وتترعرع والحبالى تضع أطفالهن، والرعاة يغنون على سفوح الجبال، والناس تحصد وتزرع، وأنت كالراهب المتبتل يريد أن يجعل من الحرب والتفكير فيها صومعة يخلو لها.. كانت كلماتها قوية ومؤثرة، تورق بروعة الصدق، وتفوح من حروفها رائحة الحياة الحارة الجياشة، ووجدت العرق يتساقط على جبهتي، وشعرت بأن أعصابي المشدودة ترتخي رويدا رويدا، وأن عيناي تتطلعان إلى السفوح الخضراء يوشيها القمر الفضي، وتنفست من الهواء البارد الحلو بعمق، ثم تنهت قائلا: أنا أحبك يا نجمة الليل. ومتى يكون؟ أقرب مما تتصورين.. وسمعت حركة وخيولا تركض، وعربات تقرقع، وأصواتا مختلطة، ورأيت أشباحا تتحرك هنا وهناك، وكنت على علم بأن اجتماعا كبيرا سوف يعقد لدراسة ما تم من أحداث كبار، وما سوف يتبع ذلك من رد فعل قد يجري أهوالا لا حصر لها.. انصرفي يا نجمة الليل الآن ومضت في عتمة الظلمة تدرج كخيال لطيف له حفيف الملائكة، العيون الخضراء تضيء كجوهرتين، والوجه الأبيض الذي يفيض حيوية وجمالا يتألق في نور الابتسامة العذراء، صورتها لم تزل عالقة بقلبي وروحي رغم انسحابها صوب الباب الجانبي للقصر.. وعقد اجتماع كبير في قصر أمير قومول، حضره علية القوم من علماء ومفكرين وقادة عسكريين، كما اشترك فيه عدد كبير من المقاطعات الأخرى التابعة لتركستان الشرقية، وافتتح أمير قومول الحديث موضحا أن المعركة التي احتدمت بالأمس لم يكن هناك مفر منها، ولم يكن شعب تركستان – لا قمول وحدها- يرضى أن تداس تعاليمه الإسلامية، وقد رفض القائد الصيني التنازل عن القوانين التي أصدرها، ولم يكن هناك من وسيلة سوى الصدام الذي جرى، وقد يرى البعض أن الحركة التي قمنا بها ضربا من الحماقة إذ أننا لم نتحسب النتائج الخطيرة التي ستترتب عليها، لكن هل كان هناك بديل لها سوى الاستسلام؟؟ إن الاستسلام القديم جر علينا كثيرا من الكوارث، والمنهزم لا حدود لتنازلاته، ومن ثم كان لا بد من الضرب بشدة بصرف النظر عما قد يحدث من نتائج.. ورد أحد الجالسين معلقا بكلام يفهم منه أن ما وقع كان خطأ كبيرا، فليس لدى تركستان قوة تضارع قوة الصين، وإن ثمانية ملايين من أبناء تركستان لا يمكن أن يصمدوا أمام شعب الصين الذي يربو تعداده على أربعمائة مليون، ولذا كان من الممكن أن نرسل وفدا إلى الحاكم الصيني الأعلى، ونجري معه مفاوضات سلام لعلهم يخففون الوطأة ويلغون القوانين الجائرة التي تتعارض مع ديننا وكرامتنا، وما لا نستطيع أن نأخذه بالحرب كان من الجائز أن نحصل عليه بالسياسة، أعني المفاوضات.. ولقي هذا الكلام ترحيبا لدى بعض السياسيين القدامى الذين حضروا الاجتماع، واقترحوا أن يرسل وفد إلى الحاكم العام الصيني لتركستان الشرقية، غير أن خوجة نياز حاجي أشار بيده وقال في غضب: - أيها الرجال، إذا أرسلتم وفدا فلن يعود إليكم سوى أخبار ذبحه كما تذبح الشياه، ولن يغفر الصينيون لنا ما حدث لرجالهم في قومول، والرأي عندي أنه لا وسيلة سوى الحرب.. إننا نضيع الوقت عبثا إذا بقينا هكذا نبحث عن حل سلمي للأزمة، فلن ينسى الصينيون دماءهم، إنهم يقسون ويقتلون وينتقمون دونما سبب، فما بلكم وقد قضينا على أحد قادتهم هنا، ووارينا ضباطهم وجنودهم التراب.. |
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
(عرض الكل)
الاعضاء الذين شاهدو هذا الموضوع: 52
|
|
| , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|