قل لي: من أنت ؟ وما عملك ؟ وإلى أي مقام ارتفع قدرك ؟ يا من لا يصبر لحظة عما يشتهي. بالله عليك أتدري من الرجل ؟. الرجل والله من إذا خلا بما يحب من المحرم وقدر عليه وتقلل عطشاً إليه نظر إلى نظر الحق إليه فاستحى من إجالة همه فيما يكرهه
ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشاً من العارفين بالله عز وجل، فإن العارف به مستأنس به في خلوته. فإن عمت نعمة علم من أهداها، وإن مراً مذاقه في فيه، لمعرفته بالمبتلى
لا ينال لذة المعاصي إلا سكران بالغفلة. فأما المؤمن فإنه لا يلتذ لأنه عند التذاذه يقف بإزائه علم التحريم، وحذر العقوبة. فإن قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهي فيتنغص عيشه في حال التذاذه. فإن غلب سكر الهوى كان القلب متنغصاً بهذه المراقبات، وإن كان الطبع في شهوته. وما هي إلا لحظة، ثم خذ من غريم ندم ملازم، وبكاء متواصل، وأسف على ما كان مع طول الزمان.
تأملت قوله تعالى: " فَمنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى " . قال المفسرون: هداي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابي. فوجدته على الحقيقة أن كل من اتبع القرآن والسنة وعمل بما فيهما، فقد سلم من الضلال بلا شك، وارتفع في حقه شقاء الآخرة بلا شك، إذا مات على ذلك. وكذلك شقاء الدنيا فلا يشقى أصلاً، ويبين هذا قوله تعالى: " وَمَنْ يَتّقِ اللّهَ يَجْعلْ لَهُ مَخْرجاً " . فإن رأيته في شدة فله من اليقين بالجزاء ما يصير الصاب عنده عسلاً.
رأيت كل من يعثر بشيء أو يزلق في مطر يلتفت إلى ما عثر به، فينظر إليه، طبعاً موضوعاً في الخلق. إما ليحذر منه إن جاز عليه مرة أخرى، أو لينظر - مع احترازه وفهمه - كيف فاته التحرز من مثل هذا. فأخذت من ذلك إشارة وقلت: يا من عثر مراراً هلا أبصرت ما الذي أعثرك فاحترزت من مثله، أو قبحت لنفسك مع حزمها تلك الواقعة.
ينبغي للعاقل أن يلازم باب مولاه على كل حال، وأن يتعلق بذيل فضله إن عصى وإن أطاع. وليكن له أنس في خلوته به، فإن وقعت وحشة فليجتهد في رفع الموحش، كما قال الشاعر: أمستوحش أنت مما جني ... ت فأحسن إذا شئت واستأنس فإن رأى نفسه مائلاً إلى الدنيا طلبها منه، أو إلى الآخرة سأله التوفيق للعمل لها
ومن تأمل ذل إخوة يوسف عليهم السلام يوم قالوا: " وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا " عرف شؤم الزلل. ومن تدبر أحوالهم قاس ما بينهم وبين أخيهم من الفروق. وإن كانت توبتهم قبلت، لأنه ليس من رقع وخاط كمن ثوبه صحيح.
وإن اللذات لتعرض على المؤمن، فمتى لقيها في صف حربه وقد تأخر عنه عسكر التدبر للعواقب هزم. وكأني أرى الواقع في بعض أشراكها ولسان الحال يقول له قف مكانك؛ أنت وما اخترت لنفسك. فغاية أمره الندم والبكاء. فإن أمن إخراجه من تلك الهوة لم يخرج إلا مدهوناً بالخدوش. وكم من شخص زلت قدمه فما ارتفعت بعدها.
كما كان بعض السلف يقول لنفسه: والله ما أريد بمنعك من هذا الذي تحبين إلا الإشفاق عليك. وقال أبو يزيد رحمة الله عليه: ما زلت أسوق نفسي إلى الله تعالى وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك.