|
تجارة الفتاوي
فتوى الجوال إحدى الطرق التي (ابتدعها) أحد المشايخ السعوديين غير المصرح لهم من الجهات الرسمية بالفتوى طلباً للثراء غير المشروع، فقد أعلن أحدهم أنه أنشأ مشروعاً تحت اسم (جوال فتوى)، وهي طريقة مبتكرة لاستغلال حاجة الناس للفتوى.
تقول تعلميات الإعلان الترويجي لهذا المشروع في أحد مواقع الإنترنت ما يلي: (للاشتراك أرسل رقم 1 برسالة قصيرة من جوالك إلى الرقم (.....) علماً أن رسم الاشتراك هو 40 هللة يومياً أي 12 ريال شهرياً فقط للاتصالات، وباقيها لإعانة إخوانك على مشروعهم المميز، فلا تبخل على نفسك الخير في شهر الخير والاستفادة من العلم الشرعي!
قمت باتباع التعليمات، وأرسلت رسالة قصيرة Sms إلى الرقم المحدد، فجاءتني على الجوال الرسالة الآتية: (أهلاً بك مشتركاً في جوال «فتوى» وسيصلك بإذن الله تعالى فتاوى يومية عبر رسائل الجوال عن أحكام يكثر السؤال عنها والحاجة ماسة لها وفق القول الراجح بالدليل. علماً أن رسم الاشتراك 40 هللة يومياً (12 ريال شهرياً) مهما كان عدد الرسائل)!.
مثل هذا المشروع هو بلغة مباشرة وصريحة استثمار (تجاري) لشأن ديني لا يمكن قبوله بحال من الأحوال، فلا يُمكن لمسلم عاقل أن يقبل مثل هذا الأسلوب في إيصال الفتوى، إضافة إلى أن فتح مثل هذا الباب لكائن من كان لكي يستغل حاجة الناس إلى الفتوى، قضية تحتاج إلى تدخل السلطات، فالأمر يتطلب أن يتم منعه، ومنع الجهة التي سهلت له الاستفادة من استغلال هذا الشأن الشرعي مادياً من خلال تقنية رسائل الجوال، خصوصاً وأن مثل هذه الممارسات فيما لو تركت، ولم تتم معالجتها بحزم، (قد) تستغل فيما لا تحمد عقباه من قبل آخرين. وقد علمنا التاريخ، وبالذات تاريخنا القريب، أن نتنبه جيداً لمثل هذه الممارسات، كي لا يسبق السيف العذل.
السلف -كما قرأنا عنهم- كانوا يتحاشون الفتيا، ويخشى فضلاؤهم طرق بابها خوفاً من هذه المسؤولية العظيمة أمام الخالق جلّ وعلا، وقد جاء في الأثر: (أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار). وكان كثير من الصحابة يتورعون عن الفتوى، ويُحيل أحدهم المستفتي إلى الآخر، وقد روي أن ابن عمر -رضي الله عنه- كان لا يجيب المستفتي إلا عند الضرورة، وكان يقول: (هؤلاء يريدون أن يتخذوا ظهورنا جسوراً إلى جهنم).
ولم يعرف تاريخ الإسلام -حسب علمي- أن مفتياً طلب أجراً أو رسوماً من الناس مقابل فتواه، ولكي لا يتسع الشق على الراقع لا بد من تدخل السلطة لكبح مثل هذه التجاوزات، أو معالجتها وتنظيمها إن كانت جائزة، لأن ترك مثل هذا الموضوع مفتوحاً دونما قيود يحمل الكثير من المحاذير.
المهم عدم ترك الحبل على الغارب، ووضع الضوابط لمثل هذه الاستثمارات التي تمس عبادات الناس بشكل مباشر.
*نقلاً عن صحيفة "الجزيرة" السعودية
|