كذب عليّ ..فقلتُ: إنه صغير ..
سرقني.. فقلتُ: إنه طفل..
لكن كيف أفسر الخيانة ..؟!
لن أصمت كثيراً ...لأن صمتي عندما يكون داخلي أشياء كثيرة لأقولها ..يكون الصمت مزعجاً ..
صديقي ..دعني أنظّف بياض الصفحات، كما ينظّف محارب قديم سلاحه..
هل أخبروك أن لكل محارب والد حزين وصغير يصرخ..
الحديث معك تضيق به اللحظة ..وتشوّهه الكاميرا ..
وهو معتق بنوارس البحر الراحلة ..
لقد نصرتُ إبراهيم المعتقل في جوانتانامو مظلوماً، أما أنت فسأنصرك ظالماً..
لاتبحثْ عن رفاقك .. لاتبحثْ عن الورود ..ولاعن أناشيد الصباح ..فعصافير المكان غادرت ..حتى لاتتلطّخَ بدم الخيانة ..!!
أتسألني عن رفاقك ..وعطر الشهداء ..؟! كلهم ماتوا عندما حطّموا البرواز وشوّهوا الصورة ..والمدية بمكانها ..تحت غطاء سلمى ..
هل حدثوك أيها الحبيب ..عندما عقدوا آخر صفقة فوق جثة آخر شهيد ..؟!
لاتحدثني عن ألم الرحيل ..وقسوة الطريد ..لأنك وحدك من أحكم سجنك .. وبنيت قصرك والديار ..
ثمّة أفعالٌ ارتكبتها ..تجعل الحدادَ يليق بك رغم بقاء روحك..
يا صديقي ..في قلبي مقابر بعد رحيلك ..لكنها بلا أموات ولا أسوار ..سأبقيها مشرعة ..لعلك تعود يوماً وتدفن كلّ القبور ..!!
هل قالوا لك: إن أٌشد الأمكنة هي التي جمعت أجمل ذكرى وأقساها ..؟!
إذاً لماذا الهروب ...لماذا ..؟!
لأنك صديقي، سأقول لك ..هامساً ..(هناك أشياء مذ ربحتها وأنا أشتري بها خساراتي)
..أشتري بها سوادَ الصفحات ..وظهرَ الخيل الجامحة ..
لسْتُ أبحثُ عمّن يروّضها أو من يبيّضها ..لكنها أمكنة الشقاء ..
أسألك ..هل وحدك من يملك الحقيقة؛ لذا أنت هارب بها ...؟!هل وحدك ..من يستطيع أن يوقظ الأوطان ..وأن يرتّب حفلَ الشهداء ...؟! مرة أخرى الخيانةُ يفضحها المخلصون، والحقيقةُ لايكتبها المتورّطون ..
أعوام مرت وشبيهتُك تبحث عنك في كلّ الوجوه ..في كلّ الأمكنة ..في كلّ الأزقة ..حتى الأزمنة لم تتركْها ..لقد تركْتَها شاردةَ القلب موجوعةَ الفؤاد ..
صديقي لو كُتب لك أن تعود للمدينة ..للقرية ..فلا تدخلْها وأنوارُها نائمة، بل ادخلْها صباحاً لترى دمَ الأبرياء ...الذين نُحروا قربة وفاءٍ بيد رفاقك ..
لقد كانت الشمسُ قبلكم أكثرَ دفئاً ..
لم تعدْ العصافيرُ تنامُ بقريتنا ..لقد هاجرت للقاموس بحثاً عن أمان ..لعلها تجده و لو بين السطور ..
لا أدري هل أعطيك أعوادَ الثقاب ..لتعبث بها حتى إذا احتجتها وجدتها حرائق بين يديك ..؟! ..لقد عبثت بها وأحرقْت عششَ القلوب ...
وماذا بعد ذاك ...؟! هل ستدومُ طريداً..؟!هل ستستنزفُ حروفي ..أيامي ..دموعي من أجلك ..؟! يالكبريائك ..وغرورك ..وأنت تجوبُ المدنَ تحت الظلام..!!يضيق بك الفضاء ويتسع لك الكهف...؟!!
ألم يوقظْك حارسُ الشوارع ؟!..ألم ترَ صور الرقص ..؟! ألم تسمع عزفي على البيانو؟! ..ألم نبنِ الكوخ سوياً؟! ..ألم تشاطرني كسرة الخبز ؟!..لماذا لم تعدْ ترقص الجازية ..؟!
ولماذا كسر الزير سيفه وهدم بيته ..؟! ألأنك طريدُ الحضارة ..والباحثُ عن الأسود في ذمم التاريخ ..؟!
لم أعتقد يوما أن الجبل يحول الحمائم إلى كواسر ...ولا الليل يحول الفراشات إلى خواطيف ...
أين أنت ..؟ وأنت ترتّل صبحك ..(رب اجعل هذا البلد آمنا ..)..فحرست الأمن بعينيك وأشهرت دونه سلاحك حتى لا يوقظه الطفل والشيخ..